مجدي يعقوب.. الإنسان قبل الطبيب.. قصة وفاء عظيمة لأبيه وعمته

الخميس، 12 يوليه 2018 11:30 ص
مجدي

كان في سن الخامسة عندما توفيت عمته في شبابها بالقلب..  ودفعه ذالك لاختيار التخصص في جراحات القلب 

يعتبر ابتسامة طفل ساعد في تخفيف آلامه أهم من الأوسمة والجوائز التي ينالها

 

وراء كل قصة نجاح أسرار وتفاصيل، وقصة نجاح الدكتور مجدي يعقوب، أشهر جراحي القلب في العالم وراءها عمته التي توفيت في الصغر، وكانت دافعًا له لاختيار هذا التخصصص الذي نبغ فيه، حتى أصبح يلقبه الإنجليز بـ "ملك القلوب".

ففي بلبيس بمحافظة الشرقية، ولد "السير بروفيسور" مجدي يعقوب في 16 نوفمبر 1935 لعائلة قبطية أرثوذكسية تنحدر أصولها من أسيوط، وهو أب لثلاث أبناء ولدان وبنت، والأخيرة (صوفي) هي الوحيدة التي اختارت أن تدرس الطب، اقتداءً بوالدها، كما اقتدى هو بوالده الذي كان طبيبًا متخصصًا في الجراحة العامة، وكان يك
ن له كل إعجاب.

وربما كان له الفضل في أن يمتهن ذلك التخصص الدقيق، خاصة بعد أن رأى حزنه الشديد على وفاة أخته (عمته)، التي توفيت في سن العشرين بسبب إصابتها بمرض ضيق في الصمام الميترالي بالقلب.

وحينما سأله عن سبب حزنه، قال له: إنهم توصلوا في إنجلترا لطريقة لتوسيع الصمامات، وهنا قال لوالده إنه سيذهب إلى هناك لتعلم هذه الطريقة، إلا أن والده أخبره أنه لن يستطيع.

لكن مجدي ابن الخامسة وقتها، شق طريقه إلى النبوغ، وأهله تفوقه في الدراسة ليلتحق بكلية الطب جامعة القاهرة، ومنها حصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1957.
في سنة الامتياز وبعد تخرجه كانت تجربته تحمل الكثير من المعاناة، فيحكي أنه كان يذهب إلى الأقاليم وهناك كان يتم نقله عن طريق الدواب، وبعدها يقوم أحد الأشخاص بحمله حتى يقوم بتخطيته المجرى المائي (القنا).


ثم عمل جراحًا نائبًا في مستشفى القصر العيني، ولا يزال متذكرًا لأول عملية جراحة قلب أجراها في حياته، وكان في ذلك الوقت نائبًا في قسم عمليات الصدر، وتعرض لموقف مع أحد المرضى، وهو إما أن يقوم بإجراء عملية له، أو أن يتركه يتوفى، وهنا اختار فتح قلب المريض وإجراءها لتنجح أول عملية له، وكانت تلك أول عملية ناجحة في سجله الطبي الحافل الذي يمتلئ بأكثر من 25 ألف عملية قلب أجراها خلال مشواره الطويل، من بينها أكثر من 2500 عملية زراعة قلب.


سافر إلى بريطانيا عام 1962، لاستكمال دراسته، فحصل على الزمالة الملكية من ثلاث جامعات، وهي زمالة كلية الجراحيين البريطانيين بلندن، زمالة كلية الجراحين الملكية بأدنبرة، وزمالة كلية الجراحين الملكية بجلاسكو، عمل باحثًا بجامعة شيكاغو الأمريكية عام 1969م، ثم رئيسًا لقسم جراحة القلب عام 1972م، وأستاذًا لجراحة القلب بمستشفى برومتون في لندن عام 1986م، ثم رئيسًا لمؤسسة زراعة القلب ببريطانيا عام 1987، وأستاذًا لجراحة القلب والصدر بجامعة لندن.

 كما شغل منصب مدير البحوث والتعليم الطبي، واختير كمستشار فخري لكلية الملك إدوار الطبية في لاهور بباكستان، بالإضافة إلى رئاسة مؤسسة زراعة القلب والرئتين البريطانية، وقد أصدر العديد من الأبحاث العالمية المتميزة والتي فاقت الأربعمائة بحث متخصص في جراحة القلب والصدر.


ويعد ثاني طبيب بالعالم يجري عملية زراعة قلب بعد الدكتور كريستيان برنارد (1967)، وكان ذلك في عام 1980 حين قام بعملية نقل قلب للمريض دريك موريس، الذي أصبح أطول مريض يتم نقل قلب إليه في أوروبا يبقى على قيد الحياة إلى أن توفي في يوليو 2005.

وكان يقوم بإجراء ذلك النوع من العمليات في البداية على نفقته ونفقة المتبرع حيث لم يكن آنذاك لأن تكاليف هذه العملية تخضع لنظام التأمين الصحي للمرضى، وقد نجح نجاحًا باهرًا في مجال زراعة القلب والرئة، ثم زراعة الاثنين في الوقت نفسه عام 1986.


ومن العمليات النادرة التي قام بها عملية زراعة قلب لطفلة تدعى هنا كلارك تبلغ من العمر عامين، وكانت تعاني من تضخم في القلب بنسبة 200%، وكان ميئوسًا من شفائها، حيث أبلغ الأطباء والديها أنها ستفارق الحياة خلال 12 ساعة، لكنه قام بجراحة نادرة لها، حيث تم الإبقاء على القلب الأصلي دون استئصال، إلى جانب القلب الذي زرع إلى جواره.

وهذا القلب الذي تمكن من استعادة حجمه الطبيعي وعاد للنبض مرة أخرى بعد عشر سنوات، مما فتح الباب لأسلوب جديد في العلاج يقوم على زرع جهاز ميكانيكي يعمل على مساعدة القلب المريض على الشفاء، وفي سن السادسة عشر أشرف على إجراء جراحة لها في عام 2006م لنزع القلب المزروع.



اهتم خلال مشواره الطويل بتدريب الأطباء على مستوي العالم كله، مؤكدًا أنه بهذا ينقذ مريضًا قد لايتحمل الانتظار حتى يأتي بنفسه لإجراء العملية، وهو يفخر في كل مكان بالأطباء المصريين الذين تتلمذوا على يديه، وأصبحوا قادرين علي إجراء عمليات زراعة القلب بنجاح كبير.

ومن أهم إسهاماته التي ستحدث طفرة حقيقية في جراحات القلب، إشرافه على تطوير صمام للقلب باستخدام الخلايا الجذعية، الأمر الذي سيسمح باستخدام أجزاء من القلب تمت زراعتها صناعيًا في غضون ثلاثة أعوام، وفي خلال عشرة أعوام سيتم التوصل إلى زراعة قلب كامل باستخدام الخلايا الجذعية.

حين وصل إلى سن الخامسة والستين، اعتزل إجراء العمليات الجراحية واستمر كاستشاري ومُنظر لعمليات نقل الأعضاء، وأنشأ في عام 1995 مؤسسة خيرية تدعى "مؤسسة الأمل للأعمال الخيرية" تتولى إجراء عمليات جراحية لإنقاذ حياة مرضى القلب من الأطفال في البلدان النامية.

في عام 1991، منحته ملكة بريطانيا لقب سير، وتم منحة جائزة فخر بريطانيا في أكتوبر 2007  من قناة "اي تي في" البريطانية بحضور رئيس الوزراء آنذاك وصديقه الشخصي جوردن براون، وهي الجائزة التي تمنح للأشخاص الذين ساهموا بأشكال مختلفة من الشجاعة والعطاء، أو ممن ساهم في التنمية الاجتماعية والمحلية. 

حصل علي جائزة الشعب لعام ٢٠٠٠ التي نظمتها هيئة الإذاعة البريطانية B.B.C، حيث انتخبه الشعب البريطاني للجائزة عن عموم إسهاماته العلمية وإجرائه أكبر عدد من عمليات زرع القلب في العالم.

مع ذلك فهو لا يهتم كثيرًا بالتكريم ونيل الجوائز، لأنه يعتبرها تقليلاً من قيمة الإنسان، لأن التكريم من وجهة نظره هو إزالة المرض والألم عن المريض، فتبقى ضحكة طفل صغير بعد شفائه أو كلمة شكر يتلقاها من آباء وأمهات المرضى، الذين يساعد في تخفيف آلامهم، هي جائزة الشعب الحقيقية، التي يتلقاها.. كما يردد دائمًا.


وفي حال عدم توفيقه في بعض العمليات يبدي حزنًا شديدًا، لا يضع في اهتماماته الخلفيات الشخصية لمرضاه، فقد أجرى عملية جراحية لأحد المتهمين في تفجيرات الأزهر قبل سنوات، ويقول عن نفسه إنه طبيب وليس قاضيًا.

ويعتبر يعقوب قلوب المصريين الأكثر ألمًا ومرضًا مقارنة بالآخرين، بسبب تلوث الهواء وانتشار التشوهات وصدمات القلب والحمى الروماتيزمية والأكل وقلة الرياضة، بالإضافة إلى الحزن الشديد والقهر والإحساس بالظلم له.


ينظر إلى مهنة الطب على أنها رسالة إنسانية قبل أن تكون أداة للربح وجمع المال، وعلى الرغم من كل هذه الشهرة التي حققها والمكانية العلمية التي تبوأها، إلا أنه يمتلك روحًا وإصرارًا كبيرين على العمل والإنجاز حتى الآن، وفوق كل ذلك يمتلك تواضعًا وبساطة جعله يقول إنه تمنى أن يصبح فلاحًا لو لم يكن جراحًا.


في عام 2009، أنشأ يعقوب مركزًا لعمليات القلب في مدينة أسوان، هذا المشروع الذي يعتبره حلم حياته، والمجهز بأحدث التقنيات الطبية الحديثة، ويقدم خدماته بالمجان للمواطنين البسطاء الذين يترددون عليه من كافة أنحاء الجمهورية.

ويتولى حاليًا الإشراف على فريق الأطباء، ويشارك في بعض الأحيان في إجراء عمليات القلب المفتوح. 

اضافة تعليق