"وكان أبوهما صالحًا"..

كيف حفظ الله الكنز لليتيمين بصلاح الجد السابع

الأربعاء، 11 يوليه 2018 02:17 م
جدار الكنز


لا أحد يتمنى أن يرى أحدًا أفضل منه، إلا الأب، فهو يتمنى أن يرى ابنه أفضل منه بكثير، من أجل هذا فهو هو يحرص على بذل الجهد، "وينحت في الصخر" - كما يقولون - من أجل أن يؤمن لأولاده مستقبلهم من بعده، ينصرف إلى العمل ساعات طويلة، أو يبحث عن فرصة عمل في خارج بلده، ويعيش لسنوات محرومًا من الدفء الأسري، يضع "الجنيه فوق الجنيه"، ويوفر لهم كل سبل الراحة في الحياة، ويحقق لهم كل متطلباتهم، فكل "طلباتهم أوامر"، كل هذا من أجل أن يراهم في وضع أفضل.


لكن من الخطأ أن نظن أن "الميراث" الذي نتركه لأبنائنا من بعدنا هو المال وحسب، مع أهميته بالطبع، لكن تلك الأهمية تتلاشى أمام ميراث أعظم من ميراث المال، ألا وهو ميراث الأخلاق والصلاح والتربية الحسنة، فهو أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم من بعدهم، هي الثروة الحقيقية التي تستحق أن نبذل الغالي والنفيس من أجل أن نوفرها لهم.

وصلاح الأب، هو خير ميراث يمكن أن يرثه الأبناء، فلا تصيبهم نوائب الدهر، ويكفلهم الله بعين رعايته، ويحفظهم بخفي لطفه، ببركة هذا الصلاح، فلم يطعمهم من حرام، ولم تنبت أجسامهم من سحت، لم يرتش، أو يسرق، يرى الله دائمًا أمامه في كل أحواله، لا يغيب عنه في معاملاته، ولا يغفل عن مرضاته.

وكانت الزوجة الصالحة من السلف الصالح تقول لزوجها إذا خرج إلى عمله: "اتق الله ولا تطعمنا من حرام فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار".

إنها الزوجة الراضية، القانعة، التي لا تنظر إلى ما في يد غيرها، ولا تدفع زوجها لأن يسلك كل السبل - حلالها وحرامها - من أجل أن يوفر لها ولأولادها كل أجواء الراحة والرفاهية في الحياة، وهذا مما يعين على الصلاح، فلا يتكسب إلا من حلال، ولا يفعل ما يغضب ربه، لأن وراءه زوجة تقول له: "اتق الله ولا تطعمنا من حرام".

ومن أبرز الأمثلة والنماذج على كيف أن صلاح الأب يدخره الله لأبنائه من بعده، ولا يضيعه أبدًا هو قصة "جدار اليتمين" في سورة "الكهف": "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا".

وذلك مما يعجب له الإنسان، أن يرسل الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام، ومعه سيدنا "الخضر" العبد الصالح إلى تلك القرية، ويقطعان مسافة طويلة حتى يصلا إليها، على الرغم من عدم حسن استقبال لهما وضيافتهما، للقيام بتلك المهمة التي أوكلها الله لهما، من أجل أن يحفظ لليتمين الكنز، بعد أن تداعى الجدار الذي كان مختبئًا تحته، إلى أن يكبرا ويستخرجاه بنفسهما، وما ذلك إلا ببركة الأب، "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا".

كان صلاح الأب سببًا في حفظ الأبناء، إلى حد أن الله أرسل لهما من يحفظا لهما كنزهما، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: "حُفظا بصلاح أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاح"، قيل: كان اسمه "كاسح" وكان من الأتقياء، وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء.

وفي ذلك دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به.

قال محمد بن المنكدر: "إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده (وولد ولده)  وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم". قال سعيد بن المسيب: "إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي".

ومما يروى أن "المبارك"، والد الإمام الحجة شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك، كان عبدًا رقيقًا أعتقه سيده، ثم عمل أجيرًا عند صاحب البستان، وفي يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلى البستان وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو فقطف رمانات، فإذا هي حامضة، فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟! 

فقال له: أنت لم تأذن لي لأعرف الحلو من الحامض.. فقال: أنت من كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا وظن أنه يخدعه،فسأل الجيران، فقالوا: ما أكل رمانة واحدة منذ عمل هنا، فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة فلمن أزوجها؟ قال المبارك: اليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى ـ فمن أي الأصناف أنت؟ زوّج ابنتك للصنف الذي أنت منه، فقال: وهل يوجد أتقى منك، ثم زوّجه ابنته، فكان من ثمرة ذلك الزواج "عبد الله بن المبارك".

وهذا والد الإمام البخاري يقول عند موته "والله لا أعلم أني أدخلت على أهل بيتي يومًا درهمًا حرامًا أو درهمًا فيه شبه"، فجاء حديث الرسول الصحيح مجموع على يد ولده "محمد بن إسماعيل البخاري" أصح الكتب بعد كتاب الله.

وتقوى الله هي أعظم كنز يمكن أن يورثه الأب لأبنائه من بعده، "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا"، وكأن الله يرد أمانتك في أولادك من بعده، بحفظك الأمانة التي أوكلها إياها لك، فحفظ لك أمانتك من بعدك، "فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"، وهل هناك جزاءً أعظم من هذا؟!

وكان معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص قد اجتمعا في أواخر حياتهما، فقال الثاني للأول: يا أمير المؤمنين ماذا بقي لك من حظ الدنيا؟ وكان معاوية قد صار أميرًا للمؤمنين ورئيس دولة قوية غنية، فقال: أما الطعام فقد مللت أطيبه، وأما اللباس فقد سئمت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف.

وصمت معاوية قليلاً وسأل عمرو: وأنت يا عمرو ماذا بقي لك من متع الدنيا؟، فقال: أنا حظي عين خرارة في أرض خوارة تدر عليّ حياتي ولولدي بعد مماتي، إنه يطلب عين ماء مستمر في أرض فيها أنعام وزروع تعطي الخير.

وكان هناك خادم يخدمهما، فنظر معاوية إلى الخادم وأحب أن يداعبه ليشركه معهما في الحديث، فقال له: وأنت يا (وردان) ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ أجاب: بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها في أعناق قوم كرام لا يؤدونها إليّ طول حياتي حتى تكون لعقبي في عقبهم، لقد فهم قول الله: "وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً".

والمعنى: لْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليراقبوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى وغيرهم، وذلك بحفظ أموالهم، وحسن تربيتهم، ودَفْع الأذى عنهم، وليقولوا لهم قولا موافقًا للعدل والمعروف، فالذي يتقي الله سيرزقه بمن يتقي الله في ذريته الضعيفة.

اضافة تعليق