عمرو خالد يكتب: إخماد الصراعات بالرحمة

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 02:02 م
اسليدر-د-عمرو

الراحمون يرحمهم الراحمون، من الرحم اشتقت الرحمة، الله هو الرحيم، رسالة الإسلام  هدفها الأسمى وغايتها العظمى "الرحمة"، من أجلها أرسل الخالق نبينا إلى الناس كافة.. "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين"، فكان أهلاً لتلك المهمة العظيمة وحمل الأمانة المرسلة من السماء إلى الأرض: "إنما بعثت رحمة"، "إنما أنا رحمة مهداة"، ولم يكن لينجح في إيصال رسالته على الرغم مما لاقاه من تعنت وصدود إلا لكونه يملك قلبًا رحيمًا.. قال عنه الله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ..". 

"إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ".. خلقهم ليرحمهم.. هذا هو المقصد والغاية"إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ".. خلقهم ليرحمهم.. هذا هو المقصد والغاية.. اسم الله الرحيم، هو الاسم الأكثر ورودًا في القرآن.. آخر كلمة نختم بها صلاتنا: ورحمة الله.. ونحن بدورنا مسئولون عن تحريك رحمة الله على الأرض، فأمة محمد ليس دورها تأجيج الصراع، لكن دورها إخماد الصراع بالرحمة، والرحمة هي العنوان العريض في القرآن.."كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ"، كل المعاني والقيم وسعتها رحمة الله، في رسالة لكل المتشددين، الصراعيين، القاسيين، ما تفعلونه ليس الإسلام مهما كنتم متدينين. 

الأقربون أولى بالرحمة

إذا ما أردت أن تغمرك رحمة الله.. عش بالرحمة.. تعامل بالرحمة مع من حولك، ولن تجد هناك من هو أكثر استحقاقًا للرحمة والشفقة من أهلك.. أمك.. أبيك.. زوجتك.. أولادك.. والشفقة هي حب مغلف بخوف على من تحب.. حب + خوف عليه = شفقة.. واتكون فقط عندما يقع من نحب في مشكلة أو أزمة ما، بل هي خلق دائم مستقر في النفس.

وقد جسدت سورة "الطور" هذه الشفقة، وأثرها في رحمة الله بالجنةوقد جسدت سورة "الطور" هذه الشفقة، وأثرها في رحمة الله بالجنة.. عرضت كل أنواع النعيم في الجنة.. وفي نهاية وصف الجنة بعدما دخلوها.. "فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ".. ما الذي أدخلنا الجنة؟.. "قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ".. الشفقة بالأهل طريقك إلى الجنة.  

وثاني مستوى للرحمة هو الرحمة بالعائلة والأقارب.. عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عز وجل: أنا الرحمن وأنا خلقت الرحم، واشتققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بَتَتُّه". 

والرحمة تكون مع كل الناس: الفقراء والمحتاجين، مع الخدم، مع المساكين، مع إنسان كسرت خاطره، مع إنسان جبرت خاطره. 

 

عيسى (الحب) ومحمد (الرحمة)


عنوان المسيحية الحب، وعنوان الإسلام الرحمة، وكأن الله أراد أن تكون آخر رسالتين من السماء للأرض هما: الحب والرحمة.. من أجل ذلك كان الزوج والزوجة "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً"، والرحمة معناها أشمل، وأوسع من الحب، فالرحمة تكون لمن تحب ولمن لاتحب، لايشترط أن أحبك لكي أرحمك، سأرحمك حتى لو كنت أكرهك.. عندما رأى عمر بن الخطاب يهوديًا عجوزًا يتسول في المدينة  سأله عن الذي أوصله إلى هذا الحال؟ فقال العجوز: أدفع الجزية.. بكى عمر وأمر بالعطاء للعجائز والفقراء من بيت المال، رحمة للعالمين وليس للمسلمين فقط. 


أمران مهمان تعرف بهما مدى قربك من الله ومن رسوله.. كلما وجدت قلبك ممتلئًا بالرحمة وليس مشغولاً بشيء آخر غيرها.. كلما تجد أفعالك ممتلئة بالرحمة وليس بالقسوة والعنف، فاعلم أنك قريب من الله ورسوله. 
لماذا تصلي على النبي؟.. "النبي هو الرحمة"، عندما تصل عليه كأن الرحمة تتمثل أمامك لتعيش بها.. في الصلاة: السلام عليك أيها النبي.. "من صلى عليّ صلاة صلى الله عليها بها عشرًا"، لأنك تمثلت الرحمة فتستحق الرحمة، عنوان ديننا الرحمة، نصلي على النبي لتتشبع بالرحمة لنمارسها مع الناس.

والرحمة نوعان في خلق الله: رحمة ساكنة ورحمة متحركة.. ومن النوع الأول: الشمس والقمر والمطر، فهي رحمات لكنها ساكنة صامتة لا تنطق لا تتكلم لاتعبر.. الرحمة الوحيدة المتحركة هي أنت.. من أجل هذا النبي قال "أنا رحمة"، فأنت دال على رحمة الله في الكون بشكل متحرك.. أنت تجسيد لرحمة الله في أرضه.. هذا هو دورك: حرك الرحمة لا تتركها ساكنة.

الرحمة يمنينا بها الله في كل صلاة، عند قراءة القرآن، في كل قراءة للفاتحةالرحمة يمنينا بها الله في كل صلاة، عند قراءة القرآن، في كل قراءة للفاتحة، في كل لحظة في كل سكنة.. طوال اليوم أنت تستمطر رحمة الله.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزًا واحدًا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه". 

قصة الشيخ الفضالي

قبل أكثر من مائة عام، كان هناك قصة شهيرة للشيخ الفضالي، وهو رأس التيار الأزهري المستنير مع "الحمّارين"، كانت مشكلة عصره الجهل الشديد بالدين وبالعلوم، فأدرك المشكلة وبدأ يحلها.


كان الشيخ يسكن في "حي المنيل"، ويستخدم الحمار للوصول إلى الأزهر يوميًا قبل أن تخترع السيارات،كان الشيخ يسكن في "حي المنيل"، ويستخدم الحمار للوصول إلى الأزهر يوميًا قبل أن تخترع السيارات، وكان الشيخ عندما يركب مع الحمّار يسأله: ما معنى كلمة (فقه)؟ فيرد الرجل: لا أعرف، فيقول له الشيخ: "هيا بنا نعرف الوضوء، وانتظر هنا حتى أعود معك".

وفي اليوم الثاني يسأل الشيخ الرجل عن جدول الضرب، حتى إنه وضع جدولاً للحمارين، يركب كل يومين مع نفس الحمّار، حتى يدور الفقه والحساب على كل الحمارين، بدلاً من أن ينام هو أو يسرح في الطريق استطاع أن يحل مشكلة الحمارين.. فمات الشيخ الفضالي وقد أصبح الحمارون يتكلمون في الفقه والحساب مثل الأزهريين، وما قام به ليس عملاً دينيّاً فقط، هذه هي الرحمة المتحركة.


درب على نفسك الرحمة تكن رحيمًا.. تولى أمر إنسان ضعيف أو يتيم ماديًا أو معنويًا.. فعن أبي هريرة قال، أن رجلاً جاءه يشكو قسوة قلبه فقال لـه: "أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك. يلن قلبك، وتدرك حاجتك".

اضافة تعليق