انحراف الفطرة.. طريق جهنم الذي لا رجعة فيه

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 11:09 ص
انحراف الفطرة


 جاء القرآن الكريم محذرًا من السير وراء خطوات الشيطان، الذي توعد بتغيير الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فيقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة النساء: "وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)".

 هكذا يعمل الشيطان على تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. هذه الفطرة هي ما جُبِلَ عليه الإنسان في ذاته الداخلية أو الخارجية، وهي أول ما عَرَفَ وما أحس وأول ما وجه شعوره نحوه، وأول عين رأى بها الحياة.

  فكل ابن آدمَ ولد على فطرة الإنسانية، التي يعمل الشيطان جاهدا على تغييرها، فنجد أفعالا يقدم عليها البشر يندى لها الجبين، فهذا يقتل أخاه وهذا يخون وطنه، وهذا يجامع محارمه، وهذا يدعو للشذوذ، وغير هذا الكثير.

 والدين الإسلامي موافق للفطرةَ، بل هو دين الفطرة السوية لاتفاق الإثنين في المصدر، فخالق الفطرة هو مُنَزِّل الدين وفارضه وهو الله عز وجل، ولكنه قد يضع لها ما يُزكيها ويُقَوِم سلوكها ويضع ضوابط لها حتى لا تسلُك مسلكًا مُنحرفًا يؤدي إلى عواقب وخيمة.

فقد فُطِرَ الإنسان على بعض الجبليات التي تستوجب بقاءه في الحياة كالزاوج حتى لا ينقرض الجنس البشري، وحب البقاء، والخوف من العدو. وتعد الفطرة من الخواص الإنسانية فقط، فليس للحيوان فطرة، ولكن هناك تدخل للغريزة يشترك فيها الإنسان والحيوان وهي فعل الشيء لا لسبب إلا لأنه غريزة داخلية، ومن ثم فإن استدراج الفطرة الإنسانية إلى أن تكون محض غرائز يتوجب إشباعها لهو تشبه بالأنعام وغياب للعقل واستغناء عن معنى الإنسان.
 
وهناك أشياء قد فُطِرَ الإنسان عليها ليكمل بقاءه، وأشياء لتنظم طرق حياته، وأخرى لتميزه عن الحيوان.

 والدين لم يترك الفطرة بلا ضابط أو توجيه بل وَضعَ ضوابط حتى لا تنحرف الفطرة إلى الطرق الحيوانية والغرائزية والشهوانية.

فقد وَضَعَ لفطرة الميول إلى الجنس الآخر الزواج، ووَضَعَ لفطرة حب المال الكسب الحلال والصدقة والزكاة، وفطرة حب النفس والولد والأهل والموطن كونها مباحة لكن لا بُدَّ أن يكون حب الله والرسول صلى الله عليه وسلم أحب وأعلى منها، ولفطرة حب الحياة الترغيب في بذل النفس في سبيل الله. وهكذا جاء الدين يعترف بالفطرة ولكنه جاء ضابطًا لها، لا ينكر شيئًا منها ولكنه فرض معها جهاد النفس في الأمور التي تستوجب الضبط.

وجاء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين عُرِجَ به إلى السماء جاءه جبريل عليه السلام بإناءين: في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل له: اختر أحدهما، فأخذ صلى الله عليه وسلم الإناء الذي فيه اللبن فشربه، فقال له جبريل عليه السلام: "هُديت الفطرة".

فلا ميول فطري نحو الخمر أو اللبن، بل إن الفطرة التي تتوجه نحو الحلال والبعد عن الحرام، هي فطرة المسلمين التي هدى الله نبيه عليها.

 فشرب الخمر مثلا هو انحراف لهذه الفطرة، وفعل فواحش الزنا بالرغم من أن هناك دافعًا غريزيًا لها إلا أنها أصبحت هوجاء من دون ضابط، فتعد انحرافاً للفطرة الإسلامية التي قننتها وجَعَلت مُتنفسها وراحتها مع الحلال.

فالفطرة القلبية هي الموجهة، مثلما وجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اللبن ليس إلى الخمر، إنها هي التي يعيش على إثرها القلب السليم وتتبنى العمل الصالح، وكأن الهوى هو تلك الريح التي تغير مسار الفطرة.


العدو يدرك المعادلة

 
وأدرك عدونا تلك المعادلة، وفهم أننا مجتمع فُطِرَ على أخلاق الإسلام، ولن نندرج إلى منعطف الضلال إلا إذا تشوهت الفطرة في قلوبنا، فإن انحرفت السجية فلا واق من انحراف السلوك والأفعال والأفكار كحبات تنفرط من العقد تلو الأخرى، إلى انحرافات أكبر فأكبر، وكل ذلك نتج عن عدم اتباع الضبطيات التي زكى بها الدين فطرة البشر، فبدأ في التأثير على فطرة القلب المؤمن.

 
فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (متفق عليه).

وعندما يفسد الداخل، فيضطرب السلوك وينحرف حتى إنه لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أحبه هواه! مجتمعاتنا تنحدر بسرعة مفزعة في منعطفات الانحراف، يوماً عن يوم يزداد مؤشر الانحراف، فبالأمس كان ذلك الفعل شنيعًا، واليوم أصبح مألوفًا...وعلى هذا فمستنكر اليوم هو مألوف غدًا...حتى يصبح فعل المستنكر هو الرجوع إلى الصواب!، وفي ذلك يقول الله تعالى عن سوء أفعال بني إسرائيل ودلائل انحرافاتهم: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:79].

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها اذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فان تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعًا، وان أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا» (رواه البخاري).

اضافة تعليق