الحفاظ على العقل.. الزم غرسك قبل أن يختل ميزانك

الإثنين، 09 يوليه 2018 01:45 م
الحفاظ على العقل



العقل هو أساس إنسانية الإنسان وقوام فطرته ، ومناط التكليف والمسئولية فيه ، وهو المحل الذي تنبجس منه حضارة الأمة والضامن لعزتها وشهادتها علي الناس ، ومن ثم وجب علي الأمة المحافظة علي كل عنصر من عناصرها سليماً معافى في عقله لأنه يمدها بالخير والنفع ، وإذا اختل العقل الإنساني اختل نظام الأمة بوجه ما ، وعلي هذا يجب علي الإنسان المحافظة عليه وعدم تعريضه للتلف صيانة لحق الله فيه.

وجاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإلى عمارة الكون وإلى تزكية النفس وإلى إخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

كما جاءت الشرائع كلها تدعو الناس إلى حفظ النفس وإلى حفظ العقل وإلى حفظ الدين وإلى حفظ كرامة الإنسان وعِرضه وإلى حفظ مِلك الإنسان وماله، وحفظ الله لنا العقل وكرمه وأعلى من شأنه وحرم كل مفسدٍ له.

وحرمت شريعة الإسلام الخمر وشدّدت في تحريمه وحرمت كل وسائلها وما يوصّل إليها.

وحذر الشرع الشريف من الذي يصد الناس عن التعقل وهو الهوى وحب الشهوات وحب العصيان والجهل.

يتمثل الحفاظ على العقل فيما يلي:

أولاً : حفظ العقل من جانب الوجود :

ويتم ذلك بعدة طرق منها:

1) تحرير العقل البشري من رق التقليد: ومن ثم فتح للعقل باب النظر وجعل الإسلام من المنهيات الباطنة إهماله قال تعالي : ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك:10) أي نسمع قول الرسول أو نعقل وجه الدليل ، وهو محل معرفة الإله ، ومناط خطابه وتكاليفه ، ويتوصل به إلي معرفة مصالح الدنيا ومفاسدها ، ولا يخفي علي عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن ، ولا يسمي عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه ، والشر فتركه.

2) تنمية المدارك العقلية بالتفكر والنظر:

كثيراً ما يدعو القرآن إلي النظر العقلي والتفكر لاستخراج الأسرار الكونية قال تعالي:( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)(لأعراف: من الآية185) .

وقد توصل الإنسان بعقله إلي معرفة بعض المصالح ولكنه مهما بلغ سيظل عاجزاً عن إدراك كل مصالحه ومصالح غيره وقد يظن بعض الضار نافعاً ، ومن هنا رسم العلماء بعض الضوابط للنظر العقلي ليبتعد عن الزلل والانحراف منها :

أ ) الحذر من اتباع الهوى عند البحث عن المصالح ولقد ذكر العز بن عبد السلام في قوله تعالي : ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(البقرة: من الآية269) .

ب ) الضابط الثاني : الحذر من أحادية المعرفة عند البحث عن المصالح ، فالإسلام يرفض التجزئة التي تنادي بالعقل فقط ، أو الحس فقط كمصدر أساسي للمعرفة الصحيحة ، أو بالنظر إلي الدنيا بمعزل عن الآخرة ، وإنما يدعو في المقابل إلي النظرة الكلية الشاملة في توجه الإنسان المعرفي.

ثانياً : حفظ العقل من جانب العدم : ويتم ذلك بعدة طرق منها :

الطريق الأول : تحريم المسكرات والأمر بإراقتها قال تعالي : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة: من الآية90) .

ويلحق بالخمر كل ما يسكر العقل ويذهب به قال ابن عبد السلام : { لا يجوز تخبيل العقل بشيء من المسكرات إلا بإكراه أو ضرورة }  .

وإلي جانب حفظ العقل عن طريق تحريم الخمر فإن حفظه أيضاً في حفظ النفس بالكلية إذ هو داخل في حرمة حفظ النفس كسائر الأعضاء ومنافعها من السمع والبصر وغيرهما ، فالعقل محفوظ شرعاً في الأصول الكلية عما يزيله رأسا كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة .

الطريق الثاني : منع كل ما من شأنه أن يشغل العقل عن مهامه :

فلا يقتصر حفظ العقل علي تحريم المسكرات ، بل يتعداه إلي كل ما من شأنه أن يشغل العقل عن مهامه ، وكل ما يشل طاقته وحركته الفكرية ، وتحول بينه وبين أداء وظيفته التي من أجلها خلقه الله تعالي .

 فمن وسائل حفظه أن يمنع ولي الأمر انتشار المذاهب الضالة وعلومها بين العوام لما تفضي إليه من انحراف في التفكير ، والإخلال بمسئولية العقل ، فلا نتيجة ترجي من ورائه وتضييع لطاقته الفكرية فيما لا يفيد . قال الإمام بن عبد السلام : { لا يجوز ستر العقل بالغفلات المحرمات ويستحب صونه عن الغفلة عن كل مندوب ، وذلك بنفي أسباب الغفلات من الشواغل والملهيات }.

فلا قيمة لعقل جاهل يكون عرضه للتقليد الأعمى وما يخطر عليه من الأوهام والخرافات ، فمثله لا يجيد إدراك الحقائق الدينية ولا المصالح الدنيوية فيصير فريسة للبدع ، من ثم شرع الإسلام العلم وفرضه ، ومنع الخمر وحرمها حماية للعقل ومحافظة عليه من الأضعاف أو الزوال .

اضافة تعليق