راوده حلمه في الـ15 فحقِّقه في الـ65

جزائري يصنع طائرة مروحية بعد 50 عامًا من المحاولة

السبت، 07 يوليه 2018 12:06 م
راوده حلمه في الـ15 فحقِّقه في الـ65

عاش الشاب الجزائري بلقاسم طبي، يحلم بأمل تصنيع طائرة مروحية حقيقية تحلق فوق قريته الصغيرة. ولم يستسلم طبي الذي ظل عاكفا على حلمه حتى بلغ عمره (65 عاماً) للصعوبات التي اعترضته، التي تضاف إلى مهامه الاجتماعية والعائلية وأعماله اليومية، كونه أباً لتسعة أولاد، وجداً لتسعة أحفاد، واصل البحث والعمل حتى وصل.

وفي صيف 1980، كان بلقاسم في زيارة عائلية لوالده، المستقر بمدينة ليون الفرنسية، وكان حينها في الخامسة عشرة من عمره، بينما كان في طريقه لوالده رأى طائرة تحلِّق فوق رأسه وسط المدينة، ومن هنا بدأت التساؤلات، ومعها بدأ الحلم.

عاد طبي بنا نحو 50 عامًا حين قال: «كنت حينها رفقة والدي بالسيارة، عائدين إلى البيت بالحي الغربي لمدينة ليون الفرنسية، كنت بالقرب من أحد مستشفيات المدينة، التي كانت فيها طائرة مروحية تتأهب للنزول، ولمَّا سألت عن دورها، أخبرني والدي أنها تابعة للمؤسسة الطبية، وتقوم بنقل المرضى من المناطق البعيدة في البلدة، أو في حالة الزحام المروري الكبير.

يضيف: «علمت أن مصالح الحماية المدنية بليون، بل في فرنسا بأكملها هي الأخرى تملك طائرات عمودية، تساعدها في نقل المصابين والمرضى من مختلف الجهات نحو المستشفيات».

هذاطبعاً دون استثناء الطائرات التابعة لجهازي الشرطة والجيش، والتي تُسهم هي الأخرى في العمليات الإنسانية، خاصة أثناء الطوارئ.

لم يتمكن بلقاسم طبي من مواصلة دراسته، بسبب مستواه الذي لم يؤهله للنجاح في شهادة التعليم المتوسط «04 متوسط»، لكنه ورغم ذلك لم يستسلم للواقع، وبدا واثقاً من استطاعته في تحقيق هدفه. لم يبق من ذكريات الدراسة الأكاديمية التي قضاها بمسقط رأسه الدوسن في ولاية بسكرة، سوى تلك الخربشات والرسومات التي زَيَّنت أوراق كراساته، والتي كانت في الغالب لطائرات مروحية متعددة الأشكال والأحجام والألوان».

 يقول طبي: «كنت مهتماً برسم الطائرات، وبالأخص الطائرات المروحية، أكثر من اهتمامي بالمقرر الدراسي، وكان زملائي وحتى أساتذتي يتبعون تلك الرسومات بتعليقات، أحياناً مشجعة وأحياناً مثيرة للإحباط». لكن رغم ذلك يردف «كنت متيقناً من أن الإنسان باستطاعته تحقيق آماله إذا تحلّى بالشجاعة والصبر والمثابرة».

 حين بلغ الثامنة عشرة، أرغمته الأوضاع الاجتماعية على الهجرة إلى إيطاليا، انطلاقاً من فرنسا، المكان الذي كان يستقر به والده. اهتم بلقاسم طبي خلال السنوات الـ12 التي قضاها بين روما وميلانو في إيطاليا، بالعمل في مختلف الورشات والمزارع، لتحقيق لقمة عيشه هناك، إلا أنه كان مهتماً بتطوير نفسه ليتمكن من صناعة الطائرة. 


تلك السنوات، كما قال بلقاسم «كانت بمثابة القاعدة التي أصقلت من خلالها موهبتي، وأبحاثي الخاصة بالطائرات المروحية، ومحركاتها، وتطوير معرفتي بكل ما تعلق بأجزاء ومحتويات الحوامات».  وعندما عاد طبي إلى الوطن بداية تسعينيات القرن الماضي، اختار التفرغ إلى مهنة الخراطة بالبلدة التي ولد بها «الدوسن ببسكرة».

بالورشة التي كانت بجوار البيت، بدأ بقاسم طبي بداية التسعينات العمل على صناعة الطائرة المروحية، جمع المواد الأولية، وقدَّم الأوراق للحصول على التراخيص القانونية من مختلف القطاعات، ليتمكن من إتمام عمله.  لكن سرعان ما توقف كل شيء، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في الجزائر، مع أزمة التسعينيات التي قادت البلاد إلى موجة من الدم والدمار على مدار عشرية كاملة. في تلك الأثناء يقول بلقاسم «قرَّرت تجميد الحلم، وعدم التفكير في صناعة الطائرة، لأن الجزائر كانت في وضع غير مريح، وكان هم الجميع هو البحث عن الأمن والأمان، والابتعاد عن كل الشبهات». ظلت الورشة خلال عشرية كاملة تقدم خدمات للمواطنين وملاك المركبات وبعض الآلات، فيما تعلق بالخراطة، وبقي حلم الطائرة مركوناً في زاوية على ورق يحمل مخططات ومراحل التصنيع.

شمس الهليكوبتر

مع عودة الاستقرار الأمني في الجزائر، بدأت تشرق شمس الهليكوبتر بمدينة الدوسن ببسكرة، جدَّد التراخيص، وطلبات التسهيل من مختلف القطاعات، خاصة من مصالح حماية الملكية الفكرية، والقطاعات العسكرية والسلطات المحلية، من أجل التبليغ عن الاختراع والهدف منه. وعلى مدار ستة أشهر ليلها كنهارها، لا يعرف فيها بلقاسم سوى الورشة وقطع الغيار والتلحيم، والتركيب، تمكن من تكوين الأجزاء الأولى من طائرته.  وفي أواسط العام 2017 كانت الطائرة جاهزة 100%، أخرجها أخيراً من الورشة إلى فناء بيته، وكانت مستعدة للطيران من يومها، بعد زيارة فريق من العاصمة الجزائر، وتسجيلها بالوثائق في براءة الاختراع.

 شاءت الأقدار أن تبقى الابنة الصغرى لبلقاسم طبي بالبيت، حتى الانتهاء من مشروع والدها، ثم تتزوج، إذ كانت كما قال المساند الوحيد له في جميع مراحله، من خلال مكوثها بالورشة إلى ساعات متأخرة من الليل، والمساهمة في دعم والدها من ناحيتي الجهد والدفع المعنوي.  ويقول طبي «كانت لي سنداً كبيراً، وكانت بمثابة الميكانيكي، تعمل بتفان إلى ساعات متأخرة من الليل، وأصبحت تعرف جميع قطع الغيار».  ويضيف مبتسماً «لو يفتح لها زوجها المجال، بإمكانها أن تصنع طائرة مروحية، لأنها تحمل كل خبايا التصنيع والمحتويات، فمنذ كانت في سن الـ12، وهي تبحث معي وتسأل عن كل شيء له علاقة بالمشروع».

  الإمكانات البسيطة والإجراءات القانونية المعقدة، وكذا المصاريف المضافة، جعلت طبي يفكر في حيل لإخراج طائرته التي صنعها يدوياً إلى النور.  يقول بلقاسم، والمعروف أن الطائرات المروحية تصنع بمادة الألومنيوم، لتسهيل تحليقها في السماء، لكن ذلك لم يتح بسبب انعدامه، وغلاء تكاليفه، ما جعلني أتوجه لاستغلال الحديد المعاد تدويره.

 ويضيف: «الاعتماد على الحديد الخفيف لم يهمل قاعدة الوزن الأساسية، فالوزن الذي تستطيع حمله هو 9 قناطير، وكان من المفروض أن يصل وزنها أربعة قناطير ونصف القنطار فقط، مع حمولة تصل إلى أربعة قناطير ونصف القنطار أخرى، تم صنعها بوزن يصل إلى 6 قناطير، مع إنقاص الوزن الزائد من الحمولة».

ويقول : «صناعة الطائرات تعتمد على محرك خاص هو المحرك النفاث، لكن نظراً للميزانية الضئيلة وعدم تلقيه لأي تشجيعات أو مساعدات مادية، تم تطوير محرك سيارة آس 6000 فولكسفاغن، وهو الأقرب للمحركات النفاثة، وقد اعتمد عليه لصناعة طائرته». كلف المشروع صاحبه حوالي 150 مليون سنتيم بالعملة المحلية (10 آلاف دولار).

 ويعتبر بلقاسم طبي طائرته المروحية إنجازاً يمكن استثماره في الشقين الإنساني والفلاحي. وتطويرها مستقبلاً قد يطور مهامها أيضاً، يقول: «الطائرة بإمكانها أن تُسهم في إجلاء المصابين، ونقل المرضى إلى المصحات والمؤسسات الاستشفائية، بالنظر إلى حجمها الذي يسمح لها بالهبوط بالأماكن الضيقة». 

كما أن استعمالها يمكن أن يستغل في الجانب الفلاحي، من خلال رشِّ المبيدات، والتسميد، وتطويق الحرائق رغم أن الغرض الأول من صناعتها هو إنساني بحت، من خلال مساعدة المرضى وإجلاء المصابين من مختلف الحوادث.

 

اضافة تعليق