"لوكاكو".. طفولته البائسة سر نجوميته

السبت، 07 يوليه 2018 10:56 ص
large-هاتريك-لوكاكو-لن-يحتسب-بعد-إلغاء-نتيجة-لقاء-بلجيكا-لوكسمبورغ-b1e8a

الفقر كان الدافع وراء تألق النجم البلجيكي من أجل تغيير حياته للأفضل


هناك كثيرون يبدأون من الصفر، يشقون الصخر، من أجل أن يحققوا النجاح، لكن بلا مبالغة هناك من يبدأ من تحت الصفر، يجتهد، يثابر، يتطلع لإثبات نفسه، لا يتوقف عن الجد والاجتهاد، من أجل أن يحقق ذاته ويبرهن على نجاحه.

من هذا النموذج الأخير، الذي عانى ظروفًا قاسية في حياته، يبرز اسم مهاجم منتخب بلجيكا "روميلو لوكاكو"، فعلى الرغم الفقر والمعاناة التي كانت تعيشها أسرته، إلا أنه استطاع أن يحقق حلمه ليصبح اليوم من بين أبرز لاعبي كرة القدم في العالم.


"لوكاكو" الذي قاد منتخب بلاده إلى نصف نهائي كأس العالم بروسيا، استطاع أن يفرض نفسه في التشكيلة الرسمية ويجذب إليه أنظار متتبعي المونديال، ليس فقط بفضل طول قامته وقوته البدنية لكن أيضًا بتقنياته العجيبة وذكائه.

لكنه لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب كما قد يظن البعض، ولم يكن صعوده إلى قمة المجد الكروي وليد صدفة، بل كان محفوفًا بالمعاناة والتحدي، فنشأ في عائلة فقيرة لم يكن بمقدورها أن توفر له عيشًا كريمًا وطفولة "عادية" مثل باقي أطفال جيله.

ولد اللاعب الموهوب في مدينة "أنفيرس" البلجيكية في عام 1993 من أبوين أصلهما من الكونغو الديمقراطية التي كانت مستعمرة بلجيكية سابقًا.

وحتى بعدما أصبح لاعبًا مشهورًا، لا يزال يتذكر الحرمان والبأس الذي كانت تعيشه عائلته يوميًا حتى أنها لم تكن قادرة أحيانًا على أن توفر له قوته.


وهو ما يرويه في مقال نشره موقع "ذو بليير تريبون" - وهي منصة إعلامية تسمح للرياضيين كتابة قصص حياتهم بأنفسهم – متذكرًا طفولته البائسة، ونشأته في ظروف قاسية. 

يقول لوكاكو: "أتذكر اللحظة التي اكتشفت فيها حقيقة أزمة عائلتي المالية. ما زلت أتذكر وجه أمي وهي تقف أمام الثلاجة ولا تجد ما تقدمه لي من طعام سوى الخبز والحليب. كان عمري آنذك ست سنوات. لقد عدت إلى البيت لتناول الغداء أثناء فترة راحة المدرسة. كانت أمي تقدم لي نفس الطعام يوميا وهو عبارة عن الخبز والحليب. عندما تكون طفلاً لا يشغلك أمر الطعام كثيرًا لكنني أدركت مدى المعاناة التي كنا نعيشها في ذلك الوقت"


وأضاف: "في يوم من الأيام عدت إلى المنزل ودخلت إلى المطبخ ورأيت أمي تمسك علبة الحليب كالعادة. لكن هذه المرة كانت تمزج شيئًا ما مع الحليب ولم أفهم ما الذي كان يجري. ثم قدمت لي الغداء مبتسمة وكأن كل شيء على ما يرام. لكنني أدركت حينها ماذا حدث وتأكدت أنها كانت تمزج الماء بالحليب لأن والدي لم يكن يملك المال الكافي لشراء ما يكفي من الحليب لكامل الأسبوع. كانت عائلتنا تعاني ليس فقط من الفقر بل من بأس شديد وصل حد الفقر المدقع".

فعلى الرغم من أن والده كان لاعبًا محترفًا، إلا أن ذلك لم يجعله يعيش طفولته بالشكل الذي يأمله ويتمناه.

يقول: "والدي كان لاعب محترف، لكنه كان في نهاية مسيرته والأموال نفذت، أول شيء قام ببيعه هو التلفاز، لا مزيد من كرة القدم، لا مزيد من برنامج MOTD."

كما كشف لوكاكو عن أشكال أخرى من العوز المادي على غرار عدم توفر الإضاءة في المنزل والماء الساخن، الأمر الذي جعل عائلته تسهر في بعض الأحيان لأسبوعين أو ثلاثة على ضوء الشموع وتغلي المياه على الموقد من أجل الاستحمام.



يتذكر تفاصيل تلك المعاناة في صغره، ويقول: "بعد ذلك تطوّرت الأمور، أعود للبيت ولا أضواء، لا كهرباء لمدة أسبوعين أو ثلاثة. ثم أذهب للحمام، لا مزيد من الماء الساخن، أمي تقوم بوضع الماء في غلاية وتسخنه لي، ثم تسكبه على رأسي".

قصص حزينة وصادمة أخرى كشف عنها لوكاكو في مقاله... مثل تلك التي تتعلق بوالدته التي كانت تقترض الخبز من الخباز يوم الإثنين وتدفع ثمنه يوم الجمعة. 


يقول: "لقد مرّت أيام، اضطرت أمي فيها لأن تقترض الخبز من المخبز، الفرّانين عرفوني أنا وأخي، كانوا يسمحوا لها بأخذ رغيف من الخبز يوم الإثنين وتسدد ثمنه يوم الجمعة".

يتابع "لوكاكو" الحديث عن حياة الشقاء التي عاشها في طفولته: "كنت أعرف أننا نعاني، لكن لدرجة أن نخلط الحليب بالماء؟ هنا كل شيء إنتهى، تلك كانت حياتنا".

كانت تلك البداية التي جعلته يخوض التحدي من أجل أن يغير من وضعه للأحسن، يقول: "يومها، لم أقل لها كلمة واحدة، لم أرغب بأن أثقل كاهلها، فما تمر به يكفيها، أكلت وجبتي، ثم أقسمت لله، وعدت نفسي، كأن أحدهم غرس أصابعه بداخلي ليوقظني، هذه الحياة يجب أن تتغير".

كان الأمر صعبًا عليه أن يرى والدته بهذه الحالة، "لا يمكنني تحمّل رؤية والدتي بهذه الحالة، لا لا لا، لا يمكنني ذلك".



بدأ لوكاكو يمارس كرة القدم في سن مبكرة. كان يلعب في الحديقة المجاورة لبيته وفي أوقات الراحة في روضة الأطفال. 

وعلى الرغم من صغر سنه، كانت كل مباراة يخوضها وكأنها مباراة النهائي، "كل مباراة لعبتها كانت أشبه بنهائي، حتى عندما ألعب في الحديقة أو في الشوارع، كنت أعتبرها نهائيات، كنت في السادسة من عمري في ذلك الوقت".

يتذكر تلك الأيام، ويقول: "عندما بدأت أطول، المعلمين وآباء زملائي بدأوا بضغطي وارباكي، لن أنسى المرة الأولى التي قال لي فيها أحد الكبار 'مهلًا، كم عمرك؟".

وروى أيضًا كيف كان بعض أولياء زملائه يشككون في سنه وفي هويته ويطرحون عليه عدة أسئلة تتعلق بمكان ولادته. ما جعله يشهر أحيانًا بطاقة الهوية لتفادي الملاحظات العنصرية أو المشككة في قدراته الكروية. 


يقول لوكاكو: "عندما أصبحت في الـ11 من عمري، كنت ألعب في أحد فرق الشباب، ووالد أحد لاعبي الفريق الخصم حاول منعي من دخول الملعب، قال 'كم عمر هذا الطفل؟ أين هويته؟ من أي بلد؟".

وأضاف: "والدي لم يكن هناك يومها، لم يكن يملك سيارة كي يقوم بإيصالي لمبارياتنا خارج الأرض، كنت وحيد، وكان علي أن أدافع عن نفسي، أتيت ببطاقتي من الحقيبة وأظهرتها لجميع الآباء الحاضرين، ومرروها على أنفسهم".

وعلى الرغم من الانتقادات والحياة المأساوية التي كان يعاني منها لوكاكو فلم يفكر ولو يومًا واحدًا في التخلي عن حلمه أو الاستسلام للأمر الواقع، بل واصل نضاله ومسيرته والدليل أنه سجل 76 هدفًا خلال 34 مقابلة وعمره لم يتجاوز 12 سنة. 



كان لديه هدف، فقد "أردت أن أصبح أفضل لاعب في تاريخ بلجيكا، كنت ألعب بغضب وشراسة، لأسباب عديدة، بسبب الفئران في منزلي، بسبب والدتي، بسبب عدم قدرتي على مشاهدة دوري الأبطال، بسبب نظرة الآباء الآخرين لي".

المدهش أن تألقه وكما يروي في حديثه عن مسيرته التهديفية في سن مبكرة، أنه "سجلت جميع تلك الأهداف وأنا أرتدي حذاء والدي، أرتدي حذاءه وأنا في سن الـ12، حسنًا، كنّا نتشارك الأحذية".


فيما بذل جهودًا جبارة لكي يقنع مدرب فريق أندرلخت تحت سن الـ19 أن يسمح له باللعب كعنصر أساسي وليس احتياطيًا. 

وروى لوكاكو: "تحديت مدربي وقلت له: لو شاركت سأضمن لك تسجيل 25 هدفًا قبل ديسمبر. فضحك كثيرًا. فقلت له: اقبل العرض وسترى. فوافق وكان ذلك "أغبى" رهان قام به هذا الرجل حيث سجلت 25 هدفًا قبل نوفمبر".


لا يزال يتذكر ذلك اليوم الذي هات فيه جده لوالدته، يقول: "في أحد الأيام هاتفت جدّي والد أمي، من الكونغو، أخبرته أني أبلي جيدًا، سجلت 76 هدف والأندية الكبيرة تنظر إلي، كان يحب سماع أحاديثي عن كرة القدم وماذا أفعل".
وتابع: "في يوم من الأيام جدي قاطعني فجأة وقال: هل يمكنك أن تسدي لي معروف؟، قلت له بالطبع، ما هو؟، هل يمكنك أن تعتني بابنتي؟، هل تقصد أمي؟ نعم بالطبع، نحن بخير، لا، عدني أنك ستعتني بها، عدني بذلك لأجلي، حسنًا، أعدك بذلك".
بعد ذلك بخمسة أيام، يقول: "توفيّ جدي، وقتها عرفت لماذا أخبرني بأن أعتني بأمي"، يصف مشاعره فيقول: "أشعر بالحزن كلّما فكرت بذلك، أتمنى لو أنه عاش 4 سنوات أخرى، كي يراني ألعب لأندرلخت، ليرى أني أفي بوعدي، هل تعلم؟ كل شيء سيكون بخير يا جدي".

لم يكن مثل الأطفال في سنه يملك تلفاز قد يشاهد من خلاله لاعبيه المفضلين في الدوريات الأوربية، "على أيّة حال، هل تعلم ما هو المضحك؟ أضعت 10 سنوات من عمري دون أن أشاهد دوري الأبطال، لم يكن بإمكاننا تحمل نفقات التلفاز".


لم يمثل الأمر له عقدة، بل كان يبدو طبيعيًا مثل أقرانه، كما يتحدث عن نفسه: "في 2002، في المدرسة، الطلاب يتحدثون عن نهائي دوري الأبطال، تلك التسديدة من زيدان، أي تسديدة؟ لا أعلم، لكن كان علي أن أتظاهر بأني شاهدت اللقاء كما هم شاهدوه. ل تعلم متى شاهدت الهدف؟ بعد ذلك بـ3 أسابيع، كنا في قاعة الحاسوب بالمدرسة، وأحد الطلاب قام بتحميل فيديو لهدف زيدان".

كان يمتنى في صغره أن يشاهد نجمه المفضل الفرنسي تيري هنري، "في صغري لم يكن بإمكاني مشاهدة تيري هنري حتى على التلفاز، الآن أنا بجانبه في كأس العالم وأتعلم منه كل يوم".

"في 2002، حذائي كان مليئًا بالثقوب، بعد 12 سنة شاركت في كأس العالم، والآن سأشارك مرةً أخرى"، يتابع لوكاكو حديثه: "حقًا، أنا فقط أتمنى لو أن جدّي لا زال على قيد الحياة، لا دوري أبطال، لا مانشستر يونايتد، لا كاس عالم، لا أريد أن أريه شيئًا من هذا، أريد فقط أن أريه الحياة التي نحظى بها الآن، أتمنى لو أن بإمكاني أن أحظى بمكالمة أخرى معه، ليرى فقط ما نحن به".


يختتم "لوكاكو" الحديث عن قصة حياته المليئة بالكثير من الدروس والمعاني، مخاطبًا جده الذي لطالما تمنى أن يشاركه تلك اللحظات: "هل ترى يا جدي؟ أخبرتك أن إبنتك ستكون بخير، لا مزيد من الفئران بالبيت، لا مزيد من النوم بجانب الشباك، لا مزيد من التوتر، نحن بخير الآن، بخير."

وفي تعبير بالفخر والاعتزاز عما وصل إليه بعد كل هذه السنوات يقول: "جدي، هم الآن ليسوا بحاجة لأن يتفحصوا بطاقتي، هم يعرفون إسمي بمجرد النظر إلي".

اضافة تعليق