حفظ القرآن والحديث وألف الكثير من الكتب عن الإسلام ونبيه

"نظمي لوقا".. مسيحي أحب النبي وأنصف الإسلام

الأربعاء، 04 يوليه 2018 02:20 م
607px-goethe_1774 (1)

أن يكتب مسلم عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر طبيعي، لكن ما هو استثنائي أن يتخصص كاتب مسيحي في كتابة السيرة النبوية، حتى إنه أصبح أحد أهم المراجع التي يمكن الرجوع إليها.

وهذا من الإنصاف الذي يحمد عليه، فلم تكن ديانته عائقًا أمام الحديث عن نبي الإسلام، حتى إنك تلتمس في كتاباته حالة من الحب إلى حد العشق اللا متناهي بشخصه، ضاربًا نموذجًا يحتذى به في محاربة التعصب.

وقد كان ذلك أكثر ما يشغله كأديب وفيلسوف يلحظ أن "العامة" على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم، في كل مكان من أرجاء الدنيا لا ينبيء عن عاميتهم الفكرية شيء مثل غلبة التعصب الأعمي عليهم.. وأن منشأ هذا التعصب هو الجهل بديانات الآخرين دائمًا، بل جهلهم بدياناتهم أنفسهم ولبابها الخلقي في الوقت نفسه.

الدكتور "نظمي لوقا"، كرس حياته لمحاربة الجهل والتعصب، لقناعته الكاملة بأن خطر التعصب داهم علي مصر وأهلهالدكتور "نظمي لوقا"، كرس حياته لمحاربة الجهل والتعصب، لقناعته الكاملة بأن خطر التعصب داهم علي مصر وأهلها، وكان يقول إنه نذر نفسه لمحاربة ما كان يسميه بـالتفكير الذاتي الذي لا يثمر غير التعصب الأعمي، والبداية إعلانه أن مهمته هي التبصير ومحو الأمية الفكرية فيما يخص الإسلام ومحمد ـ صلي الله عليه وسلم - لأنه كان يستشعر أن موجات الجهل المتلاطمة كانت تطمر العقول وتحجب عنها جوهر الأشياء.


ولد "لوقا" في مدينة دمنهور بالبحيرة، حصل على شهادة إتمام المرحلة الابتدائية في مسقط رأسه، ثم على شهادة إتمام الدراسة الثانوية من الإسكندرية، التحق بجامعة القاهرة، وحصل على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة (1940)، كما حصل على ليسانس مدرسة الحقوق الفرنسية بالقاهرة، ثم واصل دراسته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة. عمل مدرسًا بالمدارس الثانوية في مدينتي السويس والإسكندرية، وأستاذًا للفلسفة بكلية المعلمين بالقاهرة، ثم بكلية الآداب، جامعة عين شمس.

كان عضوًا بنادي القلم الدولي، وعضوًا باتحاد كتاب مصر، وعضوًا باتحاد الكتاب العرب. 

كانت لنشأته أبلغ الأثر في طبع التسام في شخصيته، فقد كان وهو صبي صغير دون السادسة يتردد يوميًا علة مسجد في السويس، حتى إنه أتم حفظ القرآن وهو في سن التاسعة، وتلقي دروسًا في اللغة والبلاغة علي يد الشيخ "سيد البخاري"، الذي ترك أثرًا واضحًا في شخصية الفتى المسيحي، وجعله يحب النبي إلى درجة العشق، فضلاً عن تأثره بسلوكه الشخصي ومواقفه الإنسانية النبيلة وتسامحه الشديد ووعيه الديني السليم، ما جعله يكتب عنه بعد أكثر من ثلاثين عامًا، بل كان لديه أعز من أهل الدنيا جميعًا. 

ويعرض "لوقا" جانبًا من طفولته في مدينة السويس في باكورة مؤلفاته عن الإسلام "محمد: الرسالة والرسول"، تحت عنوان "صبي في المسجد"، كاشفًا عن التسامح والتعايش المشترك الرائع بين المسلمين والمسيحيين، ومدى انفتاح رجال الدين وسعة أفقهم، وقبولهم الآخر.

فيقول: "في مدينة السويس الصغيرة سنة 1966، لم يكن أحد من أهليها يجهل من الشيخ سيد البخاري، إمام مسجدها وعالمها وفقيهها، يجلونه ويرهبونه، فإن له لعلما ورأيا، وإن فيه لشجاعة في الحق، ودراية في المنطق... ولم يكن أحد من أهليها يجهل كذلك الصبي الصغير ابن ذلك الموظف النازح إلى السويس، فيه وسامة وأناقة، وفي لسانه عذوبة وذلاقة... وإنهم ليعرفونه رجلاً قبطيا صليبة يؤم الكنيسة يوم الأحد.

وفي مدينة كالسويس يتساءل الناس عن النازحين إليها والغرباء من الطارئين، وهم يعرفون أن لهذا الموظف والد الصبي أرومة معرقة في صناعة القسوسوفي مدينة كالسويس يتساءل الناس عن النازحين إليها والغرباء من الطارئين، وهم يعرفون أن لهذا الموظف والد الصبي أرومة معرقة في صناعة القسوس، فكم له من جد من ذوي الطيالس السود والعمائم السود... فلا شك إذن في قبطية هذا الصبي الذي يرونه كل يوم يؤم مسجدهم الحنيف مع الإمام العالم الشيخ.

يتابع قائلاً: "وكان والد الفتى – أكرم الله مثواه – شديد الولوع بالفصاحة والفصحاء... وآمن أن ولده البكر ينبغي أن يصيب من ينابيع الضاد وبلاغتها أكبر حظ مستطاع، ورأى هزال ما يتاح لطلاب المدارس من ذلك كله، فعهد بولده إلى ذلك الشيخ الذي التقى به في دكان الحلاق فبهرته منه شخصية مشرقة، وذهن رحب، وسماحة ما كان يتوقعها في أحد الشيوخ فقد سمعه يستشهد أمامه بآيات من الإنجيل. 

ويقص "لوقا" موقفا رائعًا لشيخه الشيخ البخاري يعكس مدى استنارة هذا الشيخ وسمو عقله وفكره، يقول: "سمع الفتى واعظًا مشهورًا حضر إلى المدينة واحتشد القبط لسماعه احتشادًا مشهودًا، فإذا بعظاته كلها تنديد بطائفة البروتستانت، سماهم الذئاب الخاطفة، وحض على اختصامهم، فلا يحل لقبطي أن يصافح منهم أحدا أو يرد عليه السلام... وصورت المخيلة الناشطة له أولئك الناس ذوي أنياب كاشرة ومخالب كاسرة وذهب إلى شيخه بذلك الحديث فزعًا، فاغتم الشيخ وقال: أواثق أنت مما سمعت يا بني؟، كل الثقة يامولاي.. أعوذ بالله إن مسيح هذا الواعظ ليس مسيح الناصرة بلا جدال، فالمسيح الناصري يقول أحبوا أعداءكم، وباركو لاعنيكم.. كبرت كلمة تخرج من أفواههم، لإقرأ إنجيلك يا بني وافتح له بصيرتك، واصدد عن مفسري السوء ما استطعت. ووعي الفتى درس شيخه، فتزوج بعد عقد ونصف إحدى بنات "الذئاب الخاطفة" المزعومين. في تلك الأجواء الرائعة تشكلت شخصة "نظمي لوقا".


"لوقا" حفظ الأحاديث عن الرسول، وهو ما يفسر حالة التقارب التي بدأت مبكرًا بينه وبين شخصي النبي الكريم، وهو من أشد المعجبين بشخصية الفاروق عمر ابن الخطاب والإمام علي ابن أبي طالب، له العديد من الكتابات عن الإسلام ونبيّه صلى الله عليه وسلم منها: "محمد: الرسالة والرسول"، و"محمد في حياته الخاصة"، و"عمرو بن العاص"، و"أبوبكر حواري محمد" و"الله": وجوده ووحدانيته بين الفلسفة والدين"1982، و"أنا والإسلام"، و"وا محمداه"، "الله: الإنسان والقيمة".

كانت باكورة مؤلفاته عن الإسلام وهو كتاب "محمد: الرسالة والرسول"، الذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثةكانت باكورة مؤلفاته عن الإسلام وهو كتاب "محمد: الرسالة والرسول"، الذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثة، والذي يستهل بآية كريمة من القرآن الكريم ومقولة مأثورة لأرسطو، ليؤكد من البداية حرصة على الإنصاف والموضوعية، أما الأية فهي قول الله تعالى في سورة آل عمران: "وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ"، وأما مقولة أرسطو فهي: "أفلاطون حبيب إلى نفسي، بيد أن الحقيقة أحب إلى نفسي من أفلاطون".

ويبدو "لوقا" وكأنه يجيب على الفضول الذي يدفع البعض إلى التساؤل الأسباب الذى دفعته الى تأليف كتاب يحمل بين طياته كل هذا الحب للإسلام ولشخص نبيه الكريم، فيقول: "من يغلق عينيه دون النور يضير عينيه ولا يضير النور، ومن يغلق عقله وضميره دون الحق يضير عقله وضميره ولا يضير الحق، فالنور منفعة للرائي لا للمصباح، والحق منفعة وإحسان للمهتدي به لا إلى الهادي إليه، وما من آفة تهدر العقول البشرية كما يهدرها التعصب الذميم الذي يفرض على أذهان أصحابه وسرائرهم ما هو أسوأ من العمى لذي البصر، ومن الصمم لذي السمع، لأن الأعمى قد يبقى بعد فقد البصر إنسانًا، والأصم قد يبقى بعد فقد السمع إنسانا، أما من اختلت موازين عقله أو موازين وجدانه، حتى ما يميز الخبيث من الطيب فذلك ليس بإنسان بالمعنى المقصود من كلمة إنسان.

وبهدي من هذا النهج وجدت من واجبي أن أكتب هذه الصفحات، موقنا أن الإنصاف حلية يكرم بها المنصف نفسه قبل أن يكرم بها من ينصفهم. وليس الإنصاف مزية لصاحبه إلا حينما يغالب الحوائل، كالعقائد الموروثة، والتقاليد السائدة.... أما حين يوافقها فما أهون الإنصاف: "ولولا المشقة ساد الناس كلهم" كما يقول أبو الطيب، وأوشك أن أقول على غراره "لولا العصبية أنصف الناس كلهم".

فما أحوجنا في هذا العالم المضطرب الذي تقسمت فيه الناس معسكرات متقاتلة من المذاهب والعقائد التي صبغت كل منحى من أنحاء الحياة أن نسعى للقضاء على آفة العصبية، ونتعود الإنصاف، إنصاف الخصم وكأنه صديق، فالمنصف إنما يعنو للحق، ويعنو لنوره في العقل، فيشهد لنفسه بالفضل وحسن الرأي حين يؤدي لذي الحق حقهمهما اشتجر الخلاف أو لج الخصام.

وما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا شريعة أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"وما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا شريعة أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"، فأي إنسان بعد هذا يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ، أو يأخذها بديدن أقل منه تساميا واستقامة؟ أجل نعدل ولا نجور، فذلك حق أنفسنا علينا، وحق عقولنا علينا، وحق ضمائرنا علينا، قبل أن يكون حق هذا من الناس أوذاك.

وما أرى الشانئ ( الكاره) يضير خصمه حين يجور عليه في الحكم عليه،إلا كما يفقأ امرؤ عين نفسه كي لا يرى من يسوؤه مرآه... ولست أحب ذلك لأحد، بل إني أرى مستقبل هذه البشرية منوطًا باحترام العقل، وتقصي العدل، وإنصاف الخصم، حتى يرجع بنو حواء أخوة يختلفون في مودة، ويتباعدون في تقارب، ويفيئون في نهاية كل مطاف إلى نور الله الذي كرمهم به، وهو الحق والعدل.

وفي سياق إجابته على السؤال الذي قد يسأله القارئ عن سر اهتمامه بالإسلام وهو على غير دينه، قائلاً: "إني لأسال من يستكثر الإنصاف علي رسول أتي بغير دينه، أما يستكثر علي نفسه أن يظلمها أو يحملها علي الجحود والجور؟.. ولست أنكر أن بواعث كثيرة في صباي قربت بيني وبين هذا الرسول، وليس في نيتي أن أنكر هذا الحب أو أتنكر له، بل إني لأشرف به وأحمد له بوادره وعقباه، ولعل هذا الحب هو الذي يسر لي شيئًا من التفهم، وزين لي من شخص هذا الرسول تلك الصفات المشرقة، وجعلني أعرض بوجداني عن تلك النظرة الجائرة التي نظر بهاكثيرون من المستشرقين وغيرهم إلى الرسول العربي، ولكني حين أحتكم إلى العقل، أرى الخير كل الخير فيما جنحت إليه.

فلخير مَن يشوه المشوهون كل جميل وكريم من مفاخر البشرية المثخنة بالقروح والمخزيات؟ ولخير مًن يثلب الثالبون كل مجيد من هداة هذا الجنس الفقير إلى المجد ؟ ألا إن كل محب للبشر ينبغي أن يكون شعاره دومًا: مزيدًا من النور، ومزيدًا من العظمة، ومزيدًا من الجمال، ومزيدًا من البطولة والقدوة!
وتحدث "لوقا" في كتابه عن الديانات السماوية، فيقول عن اليهودية إنها "دين شعب معين دون سائر الشعوب، وأنها ليست الديانة التي يهتدي بها الناس كافة، ويجدون فيها شبع حاجتهم الفطرية إلي العقيدة".

وعن المسيحية يقول إنها "لا تدعو إلى التوحيد والتنزيه فحسب، بل جعل المعشوق الأسمى الذي يتجه إليه وجدان كل إنسان هو الله فالمسيحية دين القلب الإنساني، ولذلك فقد ظل الناس بحاجة إلى دين جديد يجمع بين القلب والعقل ويتجه إلى الناس كافة لا يفرق بين شعب وآخر ويرضي أشواق الروح وحاجات الجسد معًا، وهذا الدين هو الإسلام".

ويسمي لوقا، الإسلام بأنه "دين البشر"، ويعرض في كتابه موقف الإسلام من "الله" و"الإنسان" و"النبوة" و"حواء" و"الزواج" ونظام الحكمويسمي لوقا، الإسلام بأنه "دين البشر"، ويعرض في كتابه موقف الإسلام من "الله" و"الإنسان" و"النبوة" و"حواء" و"الزواج" ونظام الحكم وعلاقات الناس ومعاملاتهم، ويناقش رأي الإسلام في هذه المشكلات وغيرها مستعينا بنصوص كثيرة من القرآن الكريم والأحاديث وسيرة الرسول.

ومن أقواله:

"لئن كنت أنصفت الإسلام ـ في كتاباتي ـ فليس ذلك من منطلق التخلي عن مسيحيتي بل من منطلق الاخلاص لها والتمسك بجوهرها وأخلاقياتها".
"يتعين أن أواصل كفاحي لمحو الأمية الفكرية وإلا كنت مقصرًا في حق ضميري, وديني وموضوعيتي الفكرية وانتمائي الوطني والقومي والإنساني".

اضافة تعليق