الرزق نوعان.. يأتيك بين الفضل والعدل

الأربعاء، 04 يوليه 2018 11:13 ص
الرزق نوعان.. علي ابن ابي طالب


في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها البعض حاليًا، فأنه من الضروري التيقن بأن الرزق مكتوب في السماء وآت لا محالة فقد كتبه الله عز وجل للخلائق قبل الخلق.. وليس علينا سوى الإيمان بذلك.. مع الأخذ بالأسباب.. وفي ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "الرزق نوعان".. رزق يطلبك ورزق تطلبه، فأما الذي يطلبك فسوف يأتيك و لو على ضعفك.. وأما الذي تطلبه فلن يأتيك إلا بسعيك.. وهو أيضا من رزقك.. فالأول فضل الله.. والثاني عدل من الله.

والإسلام هو دين الوَسَطِيَّةِ، جَاءَ بِالاقتِصَادِ وَالاعتِدَالِ في كُلِّ أَمرٍ، وَمِن هُنَا - أَيُّهَا المُسلِمُونَ - فَإِنَّ عَلَى المُسلِمِ أَن يَعتَدِلَ في تَعَامُلِهِ مَعَ المَالِ وَالرِّزقِ، في طَلَبِهِ وَاكتِسَابِهِ أَوَّلاً، ثم في بَذلِهِ وَالإِنفَاقِ مِنهُ بَعدَ ذَلِكَ؛ وَأَن يَرفِقَ في المَعِيشَةِ وَلا يَتَجَاوَزَ الحُدُودَ في التَّرَفُّهِ، فَعَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَا النَّاسَ، فَقَالَ: "هَلُمُّوا إِلَيَّ" فَأَقبَلُوا إِلَيهِ فَجَلَسُوا، فَقَالَ: "هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ نَفَثَ فِي رُوعِي: أَنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا في الطَّلَبِ، وَلا يَحمِلَنَّكُمُ استِبطَاءُ الرِّزقِ أَن تَأخُذُوهُ بِمَعصِيَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ" أَخرَجَهُ البَزَّارُ في مُسنَدِهِ وَقَالَ الأَلبَانيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

لذلك علينا أن نعلم ونوقن بأنه لَن تَمُوتَ نَفسٌ حَتَّى تَستَكمِلَ رِزقًا قُسِمَ لَهَا، وَكَتَبَهُ المَلَكُ لَهَا وَهِيَ في بَطنِ أُمِّهَا، قَالَ - سُبحَانَهُ -: ﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ [الذاريات: 58] وَقَالَ - تَعَالى -: ﴿ وَفي السَّمَاءِ رِزقُكُم وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22] وَقَالَ - جَلَّ وَعَلا -: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزقُهَا ﴾ [هود: 6] وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّ أَحَدَكُم يُجمعُ خَلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضغَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤمَرُ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اُكتُبْ عَمَلَهُ وَرِزقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ..." الحَدِيثَ أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ. فَمَهمَا أَبطَأَ الرِّزقُ أَو تَأَخَّرَ قَلِيلاً، فَهُوَ قَادِمٌ لِصَاحِبِهِ لا مَحَالَةَ، وَمَهمَا نَقَصَ مَا عِندَ الإِنسَانِ في فَترَةٍ مَا، فَهُوَ مُكمَلٌ لَهُ وَلا شَكَّ قَبلَ أَن تَخرُجَ رُوحُهُ مِن جَسَدِهِ، وَلَن يُغَادِرَ أَحَدٌ هَذِهِ الدَّارَ الفَانِيَةَ وَلَهُ فِيهَا مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن رِزقٍ، بَل إِنَّ الرِّزقَ لَيَطلُبُ العَبدَ كَمَا يَطلُبُهُ أَجَلُهُ كَمَا وَرَدَ في الحَدِيثِ، وَمِن ثَمَّ كَانَ عَلَى العِبَادِ أَن يَتَّقُوا اللهَ وَيَحذَرُوا مِن أَن يَستَجرِيَهُمُ الشَّيطَانُ فَيَخَافُوا الفَقرَ وَلا يَثِقُوا بِضَمَانِهِ - سُبحَانَهُ - الرِّزقَ لَهُم؛ مِمَّا يَزِيدُ في حِرصِهِم عَلَى تَحصِيلِ المَالِ حَتَّى يَصِيرَ جَشَعًا وَطَمَعًا، أَو تَهَاوُنًا بِالحَرَامِ وَمَعصِيَةِ اللهِ، في حِينِ أَنَّ النَّاصِحَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - قَد أَمَرَهُم بِأَن يَطلُبُوا الرِّزقَ بِالطُّرُقِ الجَمِيلَةِ بِغَيرِ كَدٍّ زَائِدٍ عَن حَدِّهِ، وَلا حِرصٍ مَذمُومٍ يُوقِعُهُم في أَكلِ الحَرَامِ أَو تَنَاوُلِ المُشتَبَهِ. وَعَن أَبي الدَّردَاءِ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "مَا طَلَعَت شَمسٌ قَطُّ إِلاَّ بُعِثَ بِجَنَبَتَيهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يُسمِعَانِ أَهلَ الأَرضِ إِلاَّ الثَّقَلَينِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلى رَبِّكُم، فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى، خَيرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلهَى. وَلا آبَت شَمسٌ قَطُّ إِلاَّ بُعِثَ بِجَنَبَتَيهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يُسمِعَانِ أَهلَ الأَرضِ إِلاَّ الثَّقَلَينِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنفِقًا خَلَفًا وَأَعْطِ مُمسِكًا مَالاً تَلَفًا" أَخرَجَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

إِنَّ مَلائِكَةَ الرَّحمَنِ لَتُنَادِي النَّاسَ لَو كَانُوا يَعقِلُونَ بِأَنْ تَعَالَوا إِلى أَمرِ رَبِّكُم وَحُكمِهِ، وَانقَطِعُوا إِلَيهِ عَمَّن سِوَاهُ، وَفِرُّوا إِلَيهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ، وَتَفَرَّغُوا لِمَا خَلَقَكُم لَهُ مِنَ العِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّ مَا قَلَّ مِنَ المَالِ وَكَفَى صَاحِبَهُ في دِينِهِ وَدُنيَاهُ، لَهُوَ خَيرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلهَى، وشَغَلَ عَنِ المَولَى - سُبحَانَهُ وَتَعَالى -، وَقَالَ - تَعَالى - في وَصفِ عِبَادِ الرَّحمنِ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لم يُسرِفُوا وَلم يَقتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67] وَقَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "التُّؤَدَةُ وَالاقتِصَادُ وَالسَّمْتُ الحَسَنُ، جُزءٌ مِن أَربَعَةٍ وَعِشرِينَ جُزءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" وَلَقَد كَانَ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَوَّذُ مِن نَفسٍ لا تَشبَعُ، وَاستَعَاذَ مِنَ الفَقرِ وَالقِلَّةِ وَقَرَنَهَا بِالذِّلَّةِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقرِ وَالقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ" وَحَذَّرَ مِنَ التَّوَسُّعِ في المَأكَلِ وَالمَشرَبِ فَقَالَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِن بَطنٍ، بِحَسبِ ابنِ آدَمَ أَكَلاتٌ يُقِمنَ صُلبَهُ" الحَدِيثَ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَغَيرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَنَهَى - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عَنِ المُغَالاةِ في المَلابِسِ فَقَالَ: "مَن لَبِسَ ثَوبَ شُهرَةٍ أَلبَسَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ ثَوبَ مَذَلَّةٍ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ، كَمَا وَجَّهَ - عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - بِالاعتِدَالِ في الصَّدَاقِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ رَجُلٌ وَجَاءَ يَسأَلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أَن يُعِينَهُ قَالَ: "عَلَى كَم تَزَوَّجتَهَا؟" قَالَ: عَلَى أَربعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: "عَلَى أَربَعِ أَوَاقٍ؟! كَأَنَّمَا تَنحِتُونَ الفِضَّةَ مِن عُرضِ هَذَا الجَبَلِ" رَوَاهُ مُسلِمٌ.

اضافة تعليق