لهذا.. المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف

الثلاثاء، 03 يوليه 2018 09:56 ص
المؤمن القوي

المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.. والله جل جلاله وحده هو القوي، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض في الذوات والأشياء مستمدة من قوة الله، تأييداً، أو استدراجاً، أو تسخيراً، لحكمة بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً ، يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ، وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ، أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ، وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾، [سورة البقرة الآية : 165].

وهذا حديث نَبَويّ جامع نافع، نعيش معه بعض الوقت، ننهل جملاً من فوائده، ونستنير بنوره، ونسترشد بمعانيه؛ في وقت ادْلَهَمَّتْ فيه الظلم، وتاه عن الحق كثير من طلابه، وأضل الطريق كثير من رواده.  

إنه حديث القوة في الدِّين، والحرص على النفع، والتغلب على الشيطان، والرِّضَى بالقَدَرإنه حديث القوة في الدِّين، والحرص على النفع، والتغلب على الشيطان، والرِّضَى بالقَدَر، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ واسْتَعِنْ بِالله ولا تَعْجِزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ الله وما شاء فَعَلَ، فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطان)).

فالحديث يُفَضِّل المؤمِنَ القَوِيَّ على المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وإنْ كانَ في الضَّعِيفِ خير؛ وهو وصف الإيمان؛ لكن الإيمان يحتاج إلى إذاعة بين الناس، ودعوة إليه، ومحاجَّةٍ له، وجهادٍ لأعدائِهِ، ولا يَقْدر على ذلك إلا المُؤْمِنُ القَوِيّ.

وكُلَّمَا كان المؤمِنُ أقوى كان أقدر وأنفع للإسلام قوة في الإيمان، وقوة في العبادة، وقوة في الحق وفي الحجة، وفي كُلِّ ما تخدم فيه القوة دين الله تعالى.

والقوة مَمْدُوحةٌ في كتاب الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ﴾ [ص: 45] فالأيدي: القُوَّةُ والعزائم في تنفيذِ أَمْرِ اللهِ تَعالَى، وقد أَمَرَ الله المؤمنين باتخاذها في قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعالَى يحب مُقْتَضَى أسمائه وصفاته، وما يوافقها؛ فهو القَوِيّ ويحب المؤمن القوي؛ لأن قوته تنفع الإسلام والمسلمين. 

والقوة التي يشيد بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويخبر أنها مناط التفضيل هي: القوة المنبعثة من الإيمانوالقوة التي يشيد بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويخبر أنها مناط التفضيل هي: القوة المنبعثة من الإيمان، والمؤسسة على القاعدة التي تعصمها من الشَّطَطِ والتَّهَوُّر؛ فتشيع الأمن في النفوس، والاطمئنان في المجتمعات، وليست القوة التي تنطلق من عِقَالها لِتُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، وَتَبُثُّ الرُّعْبَ، وتركب مراكب التدمير؛ لتُعَبِّدَ النَّاس لذات مصالحها. وحينما يستشعر المؤمن هذا المعنى تكبر نفسه فلا يكتفي بكلمة الإيمان يقولها بينه وبين نفسه؛ بل يعمل بمقتضاها ولوازمها ويحملها للعالمين غير هيَّاب ولا وَجِل. ومن وجد في نفسه ضعفًا موروثًا أو مكتسبًا فعليه أن يُحَاوِلَ جاهدًا التخلص منه بالتدرب على التحمل والمُعَاناة.

ثم يَرْسِم النبي صلى الله عليه وسلَّم الخُطَّة العملية من أجل تحقيق معنى القوة بقوله: ((احرص على ما ينفعك)) قال ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: "سعادةُ الإنسانِ في حِرْصِهِ على ما يَنْفَعُهُ في مَعاشِه وَمَعَادِهِ"، وما يَنْفَعُ تُحَدِّدُهُ الغايةُ الأُولَى وَهِيَ الإيمان، فَكُلُّ ما يَعُودُ بِالنَّفْعِ على الإيمانِ فَالحِرْصُ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ، والبحث عن نَيْلِه مَرْغُوبٌ، وَمِنْ أجل أن لا يَتَّكِلَ المُؤْمِنُ على نَفْسِهِ، ولا يَغْتَرَّ بِقُوَّتِهِ، ذَكَّرَه النبي صلى الله عليه وسلم بخالقه ورازقه في قوله: ((واسْتَعِنْ بِالله)) والمؤمن يقرأ في كل ركعة من صلاته ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ومِنْ دُعاءِ عُمَرَ في قُنُوتِهِ: ((اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ ونَسْتَهْدِيكَ"، وأَوْصَى النبي صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا أن لا يَدَعَ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ هذا الدعاءَ: ((اللهُمَّ أَعِنّي على ذكرك وشكرك وحُسْنِ عبادتك)) وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ((اللَّهُمَّ أعنّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ)).

وكلُّ عَمَلٍ لا يُسْتَعَانُ بالله عليه لا يُبَارك فيه؛ لأنه يكون مصروفًا إلى غير مَرْضَاة الله من الغايات النفسيةوكلُّ عَمَلٍ لا يُسْتَعَانُ بالله عليه لا يُبَارك فيه؛ لأنه يكون مصروفًا إلى غير مَرْضَاة الله من الغايات النفسية؛ كالأثرة؛ وحب الجاه؛ وإشباع الرغبات، فلابد للمؤمن من الاستعانة بالله في الأمور كلها، والتبرؤ من الحول والطَّوْلِ والقُوَّةِ إلا بالله سبحانه، وحتَّى لا يَظُنُّ ظانٌّ أنَّ التَّوَاكُلَ يَكْفِي عَنِ التَّوَكُّل، وأنَّ الاستعانة بالله تقتضي عدم العمل والأخذ بالأسباب قال الحديث: ((ولا تَعْجِزْ)) فلا تكفي الاستعانة باللسان دون الأخذ بالأسباب؛ بَلْ إِنَّ الاستعانة بالله تعالى تقتضي العمل، كما يقتضي التوكل الأخذ بالأسباب، قال ابن القَيِّمِ: "العَجْزُ يُنافِي حِرْصَهُ على ما يَنْفَعُهُ، ويُنافِي اسْتِعانَتَهُ بالله، فالحريصُ على ما يَنْفَعُهُ المستعينُ بالله ضِدّ العاجِزِ".

ومع ذلك فَكَمْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْرِصُ على ما يَنْفَعُهُ دُونَ الاستِعانَةِ بِاللهِ تعالى فينحرف بعمله عن غايته المطلوبة إلى غايةٍ قصيرةِ المَدَى كَحُبِّ الذَّاتِ؛ فَيَقَعُ في دائِرَةِ الطَّمَعِ والطُّغْيَانِ.

اضافة تعليق