عمرو خالد يكتب: الاختلاف في الرأي.. سنة كونية

الأحد، 01 يوليه 2018 01:23 م
اسليدر-د-عمرو

لابد من الإقرار بحقيقة أن الاختلاف سنة من سنن الكون، وأن التنوع إرادة الله في كونه، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، فالاعتراف بذلك بداية يجنب الإنسان الخوض في صدام مع من يخالفونه الرأي، ويجعله يقبل التعايش معهم، حتى لو كانوا على النقيض منه تمامًا في معتقده وأفكاره.


فلو أراد الله تعالى أن يخلقنا متشابهين إلى حد التطابق التام في كل شيء لفعل، لكنه خلقنا مختلفين في الشكل والطباع، وفي اللغة والاهتمام، وجعل لكل منا صفاته التي تميزه عن الآخر شكلاً وموضوعًا، والهدف هو أن نتعارف ونتعايش، ونجبر نقص بعضنا البعض، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". 

ومع الإقرار بحقيقة الاختلاف بين البشر، إلا أنه تعالى لم يفرق بينهم إلا على أساس واحد هو "التقوى"ومع الإقرار بحقيقة الاختلاف بين البشر، إلا أنه تعالى لم يفرق بينهم إلا على أساس واحد هو "التقوى"، فالنبي يقول: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، وهذه من الصفات القلبية، حتى لايمنح أحد لنفسه الأفضلية، لحسب، أو نسب، أو مظهر، أو علم، أو غنى، فالله تعالى وحده هو الذي يملك ذلك.

بل جعل الإسلام نفسية المسلم عند بدء الحوار فيها من التواضع وعدم التعالي مما يظهره في غاية الحياد والموضوعية، "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ.."، بل ويؤكد على ضرورة أدب الحوار "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً"، ويَنهى بشدة أن يتحول الحوار من أداة تعايش إلى أداة صراع " وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".

وحتى داخل الأسرة الواحدة، يكون الاختلاف بين أفرادها، فهذا اهتماماته مختلفة عن الآخر، لكنهم يقبلون بالتعايش معًا، ويتفهمون الاختلاف فيما بينهم، ولاينكر أي منهم على الآخر كونه لايتفق معه في مسألة أو مسائل بعينها، وهذه من عوامل القوة أن نحترم آراء بعضنا، اتفقنا أو اختلفنا. 

وقد تختلف درجة الفهم في المسألة الواحدة، تبعًا لوعي وإدراك كل شخص، دون انتقاص من فهم أحد، كما في الواقعة الشهيرة، عندما كان الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة، وقال لهم النبي: "من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر، فلا يُصلينَّ العصر إلا في بني قُريظة"، فعندما قاربت الشمس على المغيب، انقسموا إلى قسمين.. قسم قال: الوقت ضاق ويجب أن نُصلَّي، بعد أن نظروا إلى المعنى المقصود وهو الإسراع في السير لاحقيقة اللفظ، وقسم آخر قال: الصلاة في بني قريظة، متمسكين بظاهر خطاب النبي.

وعندما احتكموا في الرأي بعدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تبسم، ولم يعنف أحدًاوعندما احتكموا في الرأي بعدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تبسم، ولم يعنف أحدًا، وأقر الفريقين على اجتهادهما، هذا الذي أراد أن يصلي في زمان الصلاة، والذي رأى أن يصلي في مكان الصلاة، فلم ينكر على أحد منهما الأمر، حتى وإن كان خالف مقصده، وتقبل اجتهاده.

لذلك فإن تفسيق المخالف في الرأي، إما دليل جهل بإرادة الله في كونه أو لمرض في القلب، الإمام مالك يقول: "إذا رأيتم الرجل يدافع عن الحق فيشتم ويسب فاعلم أنه معلول النية فالحق أقوى وأوضح من أن تفعل ذلك لإظهاره".

وكان الإمام الشافعي يقول: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهذا مما يدل على سعة علمه، بل وسعة صدره للمخالف في مسائل "الاجتهاد" من احترام كل مخالف له في الرأي، وإن كان يرى نفسه على صواب، وهو القائل أيضًا: "لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحيانًا كسب القلوب أولى من كسب المواقف"، و"دائمًا اكره الخطأ، لكن لا تكره المخطئ"، و"ابغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي"، و"انتقد القول، لكن احترم القائل".

وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – الذي كان يلقب بـ "الفاروق"، لما عرف عنه من تفرقته بين الحق والباطل، كان ممن اشتهر بسعة صدره للرأي المخالف له، بل كان يبادر إلى مطالبة الناس أن يفندوا أخطاءه ويقوموا رأيه، إذا رأوا أنه أخطأ وحاد عن الصواب، بل ويعتبر ذلك علامة على خيرية المختلفين معه، كما يقول: "لاخير فيكم إن لم تقولوها، ولاخير فينا إن لم نسمعها". 

وكان العلامة ابن القيم ممن يؤمن بحتمية الاختلاف بين البشر وضرورة وقوعهوكان العلامة ابن القيم ممن يؤمن بحتمية الاختلاف بين البشر وضرورة وقوعه، إذ يقول إن "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بَغْي بعضهم علي بعض وعدوانه".

لكن مع كل ما سبق من أدلة واستشهادات، فإن الكثير من الناس لايؤمن بثقافة الاختلاف، وهناك من يذهب إلى اعتبار نفسه المالك الوحيد للحقيقة المطلقة، من الصعب إقناعه برأي غير الرأي المقتنع به، ولايؤمن بغير وجهة نظره. 

وهنا أطرح سبع أفكار عملية، لعلها تكون مرشدًا في تقبل ثقافة الاختلاف بين الناس. 

- قراءتك لرقم 7 أو 8 يتوقف على الزاوية التي تراه منها. 

- يستحيل أن ترى بزاوية 365 درجة.

- فاعلية يديك تكن في اختلافهما وتقابلهما.

- تعدد الألوان سر جمال الحياة ولو كانت لون واحد لما تحملناها. التنوع يجعل الحياة أكثر ثراءً. 

- فكر دائمًا بطريقة الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". 

- قم من مكانك واجلس مكان الآخر وتبني موقفه لتفهم وجهة نظره. 

- أوجد دائرة مشتركة بينك وبين كل إنسان حولك. 
               

اضافة تعليق