حامل الأسرار .. ممنوع من الزواج بسبب مهنته!!

السبت، 30 يونيو 2018 01:47 م
تمبلت copy

لا يشعر به أحد في غيابه، ولا يذكره الناس إلا في حالات الحزن، لم يُدع يومًا لحضور "فرح"، لأنهم يعتقدون أن وجوده قد يفسد عليهم فرحتهم، لا لشيء غير أن حضوره يذكرهم بالموت، فهو مرتبط بالحزن والمآتم.

يعيش همام عبد الرحمن الذي تجاو الـ٦٠ عامًا، بقرية بني هلال التابعة لمركز المراغة شمال محافظة سوهاج، منذ أكثر من ٣٠ عامًا، حيث يعمل في مهنة "اللحاد" كما يُطلق عليه داخل قريته، أو "التربي"، أو دافن الموتى.

أدرك منذ أن كان شابًا ثلاثينيًا، حقيقة الموت دون غيره من شباب القرية، خاصةً وأن والده كان يمتهن نفس المهنة، وكان يصطحبه معه وهو يقوم بعملية الدفن، ما جعل "همام" يملأه الشغف كي يتعرف على المهنة عن قرب، فقرر أن يعمل "دافنًا للموتى" وكاتمًا لأسرارهم.

يجمع أدواته جميعها في منزله (المسك والعطر والكفن) فهو يعيش مع الموت كل لحظة، فابتعد عنه الأصحاب والرفاق لأنهم يتشائمون من وجوده في حياتهم.

وعلى الرغم من أن مهنته كانت "منبوذة" من أهالي القرية، إلا أنه دائم الدفاع عنها، والاعتزاز بها، وإذا سئل عنها يقول: " الناس شايفيني شخص أقل منهم لكن أنا سيد هذه القرية وخادم تلك المقابر وأعرف كل أسرارها".

وعن سبب اختياره لهذه المهنة دون غيرها، يقول: "أنا بأشتغل في هذه المهنة منذ أكتر من ٣٠ عامًا، وأبي كان يعمل لحادًا مثلي، وكان بياخدني معاه عشان ندفن الأموات، وكنت دايمًا بطلب منه وأنا صغير أدخل معاه القبر كان بيرفض وبيقولي إن القبر أسراره كتير ومقدرش اتحملها دلوقتي عشان سني صغير".

وتابع: "كنت مشتاق أعرف إيه الأسرار دي المدفونة مع الأموات فخليت أبويا يعلمني إزاي أقوم بعملية الدفن، واشتغلت المهنة دي، وبعد أبويا ما توفي أنا اللي دفنته ومن يومها وأنا لحاد".

وعن نظرة أهالي القرية له، يقول: "الناس بتشوفني أقل منهم عشان مفيش حد من عائلة ممكن يشتغل الشغلانة دي، ودايمًا بيبصولي كأني شخص قليل ورفضوا يجوزوني منهم، بالرغم من أني أنا اللي بريحهم بعد ما يموتوا".

وعن أسرار القبور، يقول "همام": "القبور كلها أسرار والعالم التاني كله حكايات، والواحد فينا بيشوف العجب بس ما يقدرش يقول عليه".

وعن أغرب الحكايات التي صادفته خلال عمله، يضيف: "كنا بندفن ميت والمقبرة كانت مليانه فأهله حبوا يدفنوه في مقبرة أقارب ليهم ولما جينا ننزلوه، رفض الميت النزول وحاولنا وشعرت أن الجسد أصبح ثقيلاً جدًا، وما قدرناش نحركه غير لما أهل الميت جهزوا مقبرة جديدة، ولما سألت عرفت أن مقبرة أقاربه كان مدفونًا فيها شخص على خلاف مع الميت وعشان كده رفض أنه يدفن معاه".

كرّس "همام" كل حياته كي يكون لحادًا يدفن الأموات، فقليلًاً ما تراه يبتسم، فأغلب وقته يكسو الحزن ملامحه، وكان عمله ومهنته انعكست على ملامحه.

والأغرب أنه لم يحضر جنازة طيلة عمره، لأنه لابد أن يسبقهم إلى القبر وهو آخر من يغادر.

وعن علاقة أهل القرية به، يقول: "كلهم مش بيتعاملوا معايا غير لما يكون عندهم جنازة أو ميت ويوم ما دورت على عروسة عشان أتجوز كل أهل القرية رفضوا يجوزوني من بناتهم، وكانوا بيقولوا إحنا هنودي بنتنا للموت بأيدينا فروحت اتجوزت من قرية تانية وخدتها بنت لحاد برضو".

لا يتقاضى من عمله أموالًا أو أجرة من أهل المُتوفى، لكنه في أيام الحصاد يأخذ ما يُطلق عليه "العليقة"، حيث يمر على جميع الحقول في القرية، ويجمع جزءًا من المحصول يأخذه لنفسه ويبيعه لحسابه الخاص، كما أن أهالي القرية يجمعون له الخبز والحلوى أيام العيد ويعطونها له ويعتبرها بعضهم أجرة مسبقة مقابل دفن موتاهم، ومنهم من يحتسبها صدقة، لكنه هو يعتبرها "حقًا مكتسبًا". 

اضافة تعليق