لا تكن أنانيًا.. فسعادتك من سعادة الآخرين

الجمعة، 29 يونيو 2018 02:27 م
لا تكن أنانيًا


«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» حديث شريف (متفق عليه).. "حِبَّ لغيرك ما تُحبُّ لنفسك.. تجد في سعادته سعادتك" حكمة موروثة، كلمات تحمل معاني عظيمة مفادها باختصار "لا تكن أنانيًا"..

ليس في الحديث الشريف ما يُشير ولو من بعيد أن يتجرد المرء من حبِّ ذاته، بل على العكس من ذلك يقرر حقيقة فطرية: إنَّ الإنسان يحبُّ الخير لنفسه، ولكن الحديث يريد منه أن يرتقي ويتسامى فيضيف إلى جانب ذلك حبَّ الخير للآخرين، ويُرَغِّبُ فيه فيَعدَّه من كمال الإيمان.

إذن فالحديث يقرر أصلاً من أصول رُقيّ المجتمع وسعادته: ساعد غيرك في بحثه عن سعادته أثناء بحثك عن سعادتك، وبذلك سيجد كل فرد في المجتمع من يساعده في بحثه عن سعادته.

وعن أبي أمامة قال: إن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه! مه! فقال: «ادنه، فدنا منه قريباً»، قال: فجلس قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا. والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحسن فرجه» فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.

زاد في رواية أخرى: «فاكره لهم ما تكره لنفسك، وأحب لهم ما تحب لنفسك».

وغنيٌّ عن القول أن من تحلى بحب الخير لأخيه كما يُحب لنفسه، وكراهة الأذى له كما يكرهه لنفسه؛ لن يُظهر الشماتة إن أصاب أخاه مكروهٌ، أو وقع فيما لا يُحسد عليه، امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه - [وفي رواية: «فيعافيه»] - الله يبتليك».

من نوادر الحب والإيثار:
- موقف أبي عبيدة بن الجراح في طاعون «عمواس»
في السنة الثامنة عشرة من الهجرة وقع أول طاعون في الإسلام، كان هذا في زمن «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه، وعُرِف باسم «طاعون عمواس»، وكان ابتداء هذا الوباء ناحية الأردن، ثم فشا في أرض الشام وانتشر، فاستشهد فيه خلقٌ كثير من المسلمين، بلغوا خمسة وعشرين ألفاً، أو ثلاثين ألفاً، منهم «أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح» أمين هذه الأمة، وأمير الأمراء بالشام، و«معاذ بن جبل»، وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله، حتى طمع العدو، وتخوفت قلوب المسلمين لذلك، ثم رفعه الله عنهم بعد إقامته شهوراً.

وكان «أبو عبيدة بن الجراح» إذ ذاك قد «ولي إمرة أمراء الأجناد بالشام»، فلما فشا الطاعون أرسل «عمر بن الخطاب» إلى «أبي عبيدة» يطلب منه أن يترك الشام، ويقدم إليه، فور وصول كتابه، حيثُ رأى «عمر» أن المصلحة تقتضي هذا.

فماذا فعل أبو عبيدة رضي الله عنه؟!

إن «أبا عبيدة» كان القائد الأعلى للجيوش في الشام، ومن الطبيعي أن يستدعي الخليفة قائد جيوشه إلى عاصمة الخلافة للتشاور، خاصة في مثل تلك الظروف الطارئة العصبية، ولا شك في أن خروجه تلبيةً لأمر الخليفة ظاهره أنه فرصةٌ سانحة للنجاة بنفسه وأهله، والإفلات من غوائل الوباء الذي طفق يسري بين الناس سريان اللهب في يابس الحطب، ويشتعل كما النار في الهشيم، ولكن نفسه الزاكية، وأخلاقه العالية، التي لا تعرف الأثرة ولا الأنانية، وإنما تربت وطُبعت على أن يحب المسلم لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لها، بل يؤثرهم عليها؛ أبت إلا أن يمكث بين إخوانه وجُنده، يشاركهم ويرعاهم في محنتهم القاسية، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

عن طارق بن شهاب البجلي قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفوا، فقد أصيب في الدار إنسانٌ بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يُرفع هذا الوباء.

سأخبركم بما يكره مما يُتقى؛ من ذلك: أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك لو أنه خرج لم يُصبه، فإذا لم يظن هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزه عنه.

إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر؛ كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أما بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجةٌ أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تُقبل إلي. قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء قال: يغفر الله لأمير المؤمنين.

ثم كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبةً عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفيهم أمره وقضاءه، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي.

فلما قرأ عُمَرُ الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد.
قال: ثم كتب إليه: سلامٌ عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة.

فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلاً حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل، فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدثٌ، فقال: لعل صاحبتك أصيبت! قلت: نعم، قال: فأمر ببعيره فرحل له، فلما وضع رجله في غرزه طُعِن، فقال: والله لقد أُصبت.

ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.

اضافة تعليق