الحوار.. سنة قرآنية.. هذه أهم أدابه وشروطه

الجمعة، 29 يونيو 2018 10:05 ص
الحوار البنا

 
يشكّل الحِوار ركنًا أساسيًّا من أركان الدّعوة الإسلاميّة، فالدّعوة الإسلاميّة في الأساس قائمة على حوار المُخالفين وإقناعهم بالحجّة والمنطق والدّليل، وقد جاءت الدّعوة الإسلاميّة في أساسها لتُعطي الحريّة لجميع النّاس في اعتناق الإسلام فلا إجبار لأحد على ذلك ما لم يقتنع اقتناعًا كاملًا، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)؛ حيث كان ديدن المسلمين على الدّوام هداية النّاس إلى الحقّ والصّراط المُستقيم بالحِكمة والموعظة الحسنة بعد أن يدخل نور الإسلام إلى قلوبهم فتنشرح له صدورهم.
 
والحوار يكون مع المسلم ومع غير المسلم؛ مع غير المسلم لدعوته إلى دين الله، وإقناعه بأنه حق لا شك فيه، وحين نحاور غير المسلمين، علينا أن نبحث عن المشترك الإنساني، وعن المشترك الحضاري.
 
فبيننا وبينهم أصول وقواسم مشتركة:
منها: أننا وإياهم نؤمن بوحدة الأصل الإنساني؛ كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ((إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد)).
 
ومنها: أننا وإياهم متساوون في الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن معتقداتهم وما يدينون به {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء: 70].
 
ولا تنافي بين الأخوة الإيمانية والأخوة الإنسانية، ففي القرآن الكريم يقول تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [هود: 61].
 
أمّا الحوار مع المسلم الذي انحرف عن السنّة، فإنه أحسن المسلمون حوارَهم مع غيرهم، سهل عليهم إقناعُ الآخرين بما يدعونهم إليه.
 
إن الحوار دعوةٌ إلى الله، والحوارُ السلمي الهادف سنّةٌ قرآنية، وسنة نبوية، ينبغي أن نتمسك بها، ولا نتخلَّى عنها، لنصون به أخوتنا، ونعالج به كثيرًا من اختلافاتنا، إن لم نقل كلها.
 
وإننا نأمل أن يكون هناك مؤتمر بشري عالمي آمن، تُرعى فيه الخصومات، وتُحترم فيه الحضارات، ووجهات النظر، وبقدر التزامنا بأدب الحوار، يكون ناجحًا، وما فائدةُ حوار لا يراعى فيه أدبه؟ ما فائدة حوار يفرض فيه القوي رأيَه وقوته على الآخرين؟
 
إن هذا مما يُؤجِّجُ نارَ العنف والعداوة بين المتحاورين، لذلك لا بد أن نلتزم بالحوار، الحوار الذي يكون بالتي هي أحسن، فهناك حسن، وهناك أحسن، والقرآن الكريم يأمرنا أن نجادل وأن نحاور بالتي هي أحسن {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
 
وفي القرآن الكريم كثير من الحوارات، جرت بين رسل الله عليهم الصلاة والسلام وبين أقوامهم، فهذا نبي الله نوح عليه السلام، قال له قومه: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32].
 
والجدال في القرآن نوع من الحوار، وكل منهما يجيء بألفاظ متقاربة لمعنى واحد.
 
والمهم في الحوار أن يعلم الذي تحاوره أن لديك برهانًا ساطعًا، وحجة قوية، وإذا لم يقتنع بأن ما عندك حق وما عنده باطل، فهذا لا يعني أنك أخفقت في هذا الحوار، وحتى لو لم يتراجع أهل الباطل عن باطلهم -بعد محاورتهم- فلا بد أن يفتر حماسهم له، أو ربما شكوا فيه،أو تراجعوا عنه ولو بعد حين، هذا إذا راعى أهلُ الحق معهم أدبَ الحوار وقواعده وأصوله؛ بأن يكون الحوارُ حول نقطة محددة يتم التركيز عليها، وأن يكون الحوارُ بعد الاتفاق على الأصول، ثم الفروع؛ لأن الحوار في الفروع قبل الاقتناع بالأصول ضياع للوقت.
 
وينبغي للمحاور -إذا أراد أن يكون حوارُه ناجحًا: أن يتحلى بصفات المحاور الناجح؛ كأن يكون متواضعًا هادئًا سلسًا، حسن الإلقاء، بعيدًا عن رفع صوته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم -كما نقلت عائشةُ رضي الله عنها- يُحدِّثُ حديثًا لو شاء العادُّ أن يُحصِيَه لأحصاه، لم يكن يسرِدُ الحديثَ كسردِكم.
 
وعلى المحاور كذلك: أن يُرتِّب أفكاره التي سيطرحها على محاوره، وأن يكون ذا علم وفهم، حتى لا يخذل الحقَّ بضعف علمه، وحتى لا يقتنع هو بالباطل الذي مع خصمه، لجهله وضعف علمه، لذلك لا يكفي أن يكون الحق مع المحاور! بل لا بد أن يكون عنده العلمُ والفهم. وأن يكون هم المحاور طلب الحق وإيصاله للآخرين، وليس الانتصار للنفس، يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "ما ناظرتُ أحدًا قط، إلا أحببتُ أن يوفَّق ويسدّد ويعان ويكون عليه رعايةٌ من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا، إلا ولم أبالِ بيّن اللهُ الحق على لساني أو لسانه".

اضافة تعليق