عمرو خالد يكتب: الولاء والبراء.. تعايش لا كراهية

الخميس، 28 يونيو 2018 01:25 م
اسليدر-د-عمرو

"الولاء والبراء" من القضايا التي لم يتوقف الجدل حولها، في ظل نظرة الغلو والتشدد من قبل بعض المنتسبين إلى الإسلام، تجاه كل ما له علاقة بالآخر المختلف معه في الدين والعقيدة، نظرة تضيق معها مساحة التعاون وتسود فيها القطيعة، وقد تكون سببًا في صدام غير مبرر في بعض الأحيان.

وما ذلك في الحقيقة إلا لأن هناك خللاً كبيرًا في الفهم لدى البعض في فهم قضية "الولاء والبراء"، فهم يرون أن علينا التبرؤ من كل من هو غير مسلم، ولا نحب ولا نود إلا المؤمن فقط، بحسب فهمهم الخاطئ لقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

وانطلق أصحاب الفهم الخاطئ وفق هذا المنظور، إلى القول – على غير الحقيقة - بأن الإسلام يوجب قطع العلاقات مع غير المسلمين بل وكراهيتهم والتبرؤ منهم، وهذا من الظلم البين للإسلام، الذي لم يأمر بذلك، ولو كان كذلك لما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المسيحيين واليهود بكل لطف وسماحة، فقد كان يخالطهم ويحاورهم، وجعل لهم قوانينهم، ولم يفرض عليهم قوانين الإسلام، وكان يعاملهم بالعدل، ويرفع الظلم عنهم.

وعندما هاجر النبي إلى المدينة، قبل أن يعيش اليهود فيها، وعقد معهم اتفاقًا، وأقر لهم حقوقًا تحميهم، لم يجبرهم على اعتناق الإسلام، بل ترك لهم حرية الاختيار، وتعاهد معهم على أن يدافعوا معًا – المسلمون واليهود - عن المدينة ضد أي خطر خارجي تتعرض له، لم ينقض اتفاقه معهم، فقد كان حريصًا على التعايش السلمي، ومع ما لاقاه منهم، إلا أنه لم يبادر إلى نقض الاتفاق، حتى نقضوه هم، وأخلوا بالاتفاق معه، فناصبهم العداء.

وهذا النموذج من العلاقات بين المسلمين وغيرهم يؤكد حقيقة أن "الولاء والبراء" مصطلح حربي وليس اجتماعيًا، ينطبق على حالة الحرب فقط، فعند وقوع حرب بين المسلمين وعدو لهم تنطبق هذه الآية، وعندها يكون أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا في عرف كل الدول والشعوب، فلا أحد يقبل الولاء للعدو المعلن للعداء والحرب دائرة بين الطرفين.

لا نقول بهذا الرأي نتيجة اجتهاد في الفكر، أو لهوى في النفس، بل استنادًا إلى العديد من الأدلة التي تدحض هذا الفهم الخاطئ لقضية "الولاء والبراء"، إذ أن هناك العديد من النصوص في الكتاب والسنة التي تؤكد على رعاية حقوق غير المسلمين بل وبرهم والإحسان إليهم.

يقول تعالى "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، فالقسط هو العدل، والبر هو الإحسان وهو شيء فوق العدل، والعدل أن تعطى الحق والبر أن تتنازل عن بعض حقك أو حقك كله.

وقد ذكر الفقيه الأصولي شهاب الدين القرافي في معنى البر: "الرفق بضعيفهم وإعانة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم... وحفظ غيبتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم". 

وقال القرطبى: آية البر محكمة، أي أن هذا هو الأصل في التعامل مع غير المسلمين.

أما إذا أردت أن ترى التطبيق العملي لذلك، فستجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاد المرضى من غير المسلمين، وقبل الهدايا من غير المسلمين، وقدم الهدايا لغير المسلمين، واستأمن على نفسه في الهجرة دليلاً من غير المسلمين، وأباح طعام غير المسلمين، وأكل وشرب معهم، وأمر بحماية كنائسهم ومعابدهم وأحسن إلى رهبانهم، وأسكن نصارى نجران المسجد النبوي أثناء حواره معهم وقَبِل أن يصلوا فيه صلاتهم.

وجعل النجاشي ملك الحبشة المسيحي، قبل أن يسلم وكيلاً له في زواجه من السيدة أم حبيبة عندما كانت مهاجرة بالحبشة.

فهل المتشددون الذين يغالون في مفهوم "الولاء والبراء"، أكثر فهمًا من رسول الله، أو أكثر تدينًا منه؟!، فقد قدم الرسول نماذج عملية في حياته، حتى يسلك من بعده مسلكه في معاملة الآخر المختلف معه في العقيدة، ولا ينكر عليه أحد ذلك، لأن كل ما فعله النبي فنحن مأمورون به، فالولاء والبراء في الحرب فقط، أما غير ذلك فالأصل هو العدل والبر والتعاون والتراحم مع كل الناس.

وعلى ضوء هذا النهج النبوي، يجب أن يسير كل مسلم، مقتديًا بهدي الرسول في التعامل مع غير المسلمين، فلا ظلم، ولا جور، ولاقطيعة مع أحد، ما دام ليس هناك ما يستوجب ذلك، فالتعامل مع الآخر – أيًا كانت عقيدته – لا يعني الإيمان التام بما يؤمن به، ولا يعني الإقرار التام بما يخالف عقيدة المسلم، فلكل دينه، الذي يؤمن به.

فهل لنا أن نتخيل لو قصر المسلمون تعاملاتهم على بعضهم البعض، ورفضوا التعامل مع غيرهم بكل أشكال المعاملة، كيف سيكون الحال وقتها؟، لا أعتقد أن الأمر سيكون مفيًدًا بأي حال، فالإسلام رسالة منفتحة على الجميع، لا يقبل بانغلاق المسلمين على أنفسهم، تحت مسمى "الولاء والبراء"، بل أنه يطلب منهم أن يقدموا نموذجًا عمليًا يجسدون فيه صورة الإسلام الحقيقية، التي عمد البعض إلى تشويهها، بسبب فهمه الضيق، وقصر نظره.

والحقيقة التي لا يجب غض الطرف عنها، أن المجتمعات البشرية قائمة على التعاون بين أفرادها، أيًا ما كانت معتقداتهم، وتشتد الحاجة إلى ذلك في العصر الحالي أكثر من أي وقت مضى، فلا مناط من الاعتراف بضرورة التعايش المشترك، في إطار "المواطنة"، التي تكفل للجميع كافة الحقوق، وتلزمهم بكافة الواجبات على قدر من المساواة.

وإذا ما أردنا النهوض بأمتنا، والارتقاء بها إلى أعلى درجات التقدم، فإن ذلك يستلزم الفهم الصحيح الواعي للدين، والتعامل مع غير المسلمين على أساس من المودة والرحمة، فلا غلو وتشدد في فهم مصطلح "الولاء والبراء"، كما يفعل البعض، فيضر بالإسلام من حيث أراد أن يدافع عنه، فالإسلام هو دين السلام للعالم والنبي بعث رحمة للعالمين، وهذا جوهر الإسلام وحقيقته التي يجب أن تظل على الدوام حاضرة في عقل ووعي كل مسلم، سلوكًا وممارسة.

اضافة تعليق