لهذه الأسباب.. تراجعت هيبة الآباء

الأربعاء، 27 يونيو 2018 11:46 ص
لهذه الأسباب


في السنوات الأخيرة، ازدهرت ظاهرة تراجع مستوى هيبة الآباء لدى أبنائهم، وانحسر تقدير الأبناء لهم واحترامهم.. فما أسباب ذلك؟

إنهم الآباء أنفسُهم الذين يَشكون من أبنائهم، فالفطرة التي فطَر الله عليها الأبناء لم تتغيَّر، ولكن طريقة التربية هي التي تغيَّرت، فأصبَح الآباء يُلبون لأولادهم كلَّ رغباتهم منذ الصِّغر، ولم يَعُدْ منهجُ الله في التربية هو القائمَ الآن، ولكن أين هذا المنهج التربوي في تربية الأولاد؟!

إن قناعتي الشخصية بأن القرآن الكريم هو كتاب قيادة البشرية في الأرض، وأنه منهج حياة لهذه البشرية، وإن من يتخلَّى عن هذا المنهج يُضل الطريق الصحيح للتربية، وهذا هو الواقع الآن؛ ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 123، 124].

ولكن أين ما يشير إليه القرآن الكريم في هذا الموضوع؟! إنه في أمْر الله لآدم وزوجه بأن يَسكُنا الجنةَ، ويتمتَّعا فيها بكل شيءٍ، ولا يَقرَبا شجرةً فيها؛ ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35]، ﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 19].

قد يستغرب البعض ويتساءل: ما العلاقة بين المشكلة التي نتناولها الآن وهذه الآيات؟! فلننظر.

إن المدقِّق المتفكِّر في الآيات يجد أن آدم وزوجه لم يمرَّا بمرحلة الطفولة التي يمر بها كلُّ إنسان في تربيته، لذلك كان وضع الله لآدم وزوجه في الجنة مرحلةَ تربية وإعدادٍ للحياة قبلَ الهبوط إلى الأرض، فهي شبيهة بمرحلة الطفولة لدى غيرهما، فقد أباح لهما كلَّ ثمار الجنة، وأطلَق لهما حريةَ الحياة فيها، وأعطاهما المشيئة في الاختيار من كل ثمار الجنة، والتمتُّع بكل ما فيها، كما يوفر الآباء لأبنائهم في طفولتهم كلَّ ما يحتاجونه، إلا شجرة واحدة حذَّرهما ربُّهما من الاقتراب منها؛ ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35].

ولكن لماذا هذا المباح والتمتُّع به؟ ولماذا هذا المحظور والنهي عن الاقتراب منه؟

إنها إرادة الله في إطلاق العِنان لإشباع الرغبات والشهوات الحلال، في مقابل الرغبة في طاعة الله بعدم الاقتراب من المحظور، هذا المحظور الذي يتعلم منه الإنسان أن يقفَ عند حدٍّ، وأن يتدرَّب على الإرادة التي يضبط بها رغباتِه وشهواته، ويَستعلي بها على هذه الرغبات والشهوات، فتظل هذه الإرادة حاكمةً لها لا محكومة بها كالحيوان، فهذه هي خاصية "الإنسان" التي يفترق بها عن الحيوان، ويتحقَّق بها فيه معنى "الإنسان".

إذن فالفترة التي عاش فيها آدم في الجنة كانت تطبيقًا عمليًّا لمنهج الله، حتى إذا ما خرج إلى مهمته، لم يخرج بمبدأ نظري، بل يخرج بمنهج عملي تعرَّض فيه لـ(افعَل، ولا تفعَلْ)، والحلال والحرام، وهذه كلها مقويات لإرادته؛ حتى يَستعلي على ضَعفه وشهواته، وقد كانت هذه التجربة رصيدًا له فيما بعدُ!

إن هذه القصة هي عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يُصادفه.

من هنا نُدرك أنه لكي نربي أولادنا على هذا المنهج، فعلينا اتِّباع المنهج التربوي نفسه.

إن تعوُّد الطفل على تحقيق كل ما يطلبه يجعل منه طفلًا طول حياته، ولا يتحمل أي مسؤولية، بل إن ذلك سيَحرمه في المستقبل من تحقيق أبسط حاجاته، ويحرمه مما كان يأمُل والداه في تحقيقه فيه، فلن يجد مستقبلًا مَن يعطيه، ولن يستطيع هو نفسُه تحقيق ما يحتاجه، وقد يتسوَّل بعد ذلك!

انظر إلى مَن تربَّى على منهج الله؛ مثل: أولاد عمر بن عبدالعزيز، ومَن تربَّى على الترف والإسراف؛ مثل: أولاد هشام بن عبدالملك؛ دخل مقاتل بن سليمان رحمه الله على المنصور رحمه الله يومَ بُويعَ بالخلافة، فقال له المنصور: عِظني يا مقاتل، فقال: أَعِظُك بما رأيتُ أم بما سمِعتُ؟ قال: بما رأيتَ، قال: يا أمير المؤمنين، إن عمر بن عبدالعزيز أنجب أحد عشر ولدًا، وترك ثمانية عشر دينارًا، كُفِّنَ بخمسة دنانير، واشتُرِيَ له قبرٌ بأربعة دنانير، وَوُزِّعَ الباقي على أبنائه، وهشام بن عبدالملك أنجبَ أحد عشر ولدًا، وكان نصيب كلِّ ولدٍ مِن التركة مليون دينار.

والله يا أمير المؤمنين، لقد رأيتُ في يوم واحدٍ أحدَ أبناء عمر بن عبدالعزيز يتصدق بمائة فرس للجهاد في سبيل الله، وأحد أبناء هشام يتسول في الأسواق.

أيها الآباء، عليكم تطبيقَ القاعدة التربوية التي تقول: "حقِّق لطفلك كلَّ ما يحتاجه، ولا تُعطه كلَّ ما يطلبه"، فمن الخطأ الكبير أن يتعوَّد الطفل على تلبية كل طلباته، لذلك من المفروض أن نعوِّدَ الطفل على أن يتقبَّل رفضنا لبعض مطالبه، ويسمع منا كلمة (لا)؛ حتى يكفَّ عندها عن استخدام الأساليب الملتوية لتحقيق مطالبه، حتى وإن سبَّب لنا ذلك بعضَ الإزعاج.

عند إصرار طفلك على طلبه، فعليك أن تُصر على رأيك دون انفعالٍ، وحاول أن تتجاهل إصرارَه، ولا تصرُخ في وجْه الطفل، أو تُرهبه بسبب طلباته.

كما يجب علينا أن نُحذِّر الطفل قبلَ أن يقترب من الخطر، لا أن نُراقبه وهو يقترب من الخطر إلى حين دخوله منطقة الخطر، ليبدأ صراخُنا عليه؛ ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35].

وفي النهاية يجب علينا أن نعرف متى نقول للطفل: نعم، ومتى نقول له: لا، وكيف نُقنعه بذلك قدرَ الاستطاعة، ويكون ذلك برِفقٍ ومسؤولية.

اضافة تعليق