هكذا يستمر عطاء رمضان طوال العام

الثلاثاء، 26 يونيو 2018 12:30 م
هكذا يكون عطاء رمضان لباقي العام

 
الفرق بين الاستعداد لرمضان وحالنا بعده شاسع جدًا.. فقبله نلتزم بالصلاة إلى وقتها وحسن التعامل مع الآخرين ونضبط سلوكياتنا حتى يهل الشهر الفضيل ونعيش طواله نفس الحالة.. لكن بعد انتهاؤه نتكاسل ونعاود شيطاننا وكأننا ما عشنا هذه الأجواء.. فكيف يكون عطاء رمضان معنا طوال العام؟..
 
1- رمضان يعلمنا فكرة التعود على شيء في سبيل تركيز هذا الشيء في النفوس، ورمضان لا يعودنا إلا بما تطيب به هذه النفوس، وتطهر به القلوب؛ إذ هو نفحة إيمانية، لا توافق قلبًا خاليًا من الشوائب إلا تمكَّنت منه، وفي الحديث: ((أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))؛ متفق عليه.
 
2- يُعلمنا رمضان كيف نتصل بكتاب الله تعالى - قراءةً، وتدبرًا، وعملًا - فنسمع معظمه في صلاة التراويح، وكثير منا عزم على ختم قراءته ولو مرة في هذا الشهر، وكل ذلك إمداد لنا بالشحنة اللازمة لتعوُّد قراءته سائر أيام السنة، لعل القلب يأنَس به، فيُمكَّن له في سويدائه، فلا يتلوه صاحبه إلا انهمَر الدمع من عينيه، وانفطر قلبه لذكره، واقشعرَّ جلده لوعيده؛ ﴿ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 23].
 
3- رمضان يكف النفس عن التطلع إلى ما في يد الآخرين، وقد سجَنها الجوع لتحسَّ بحال الفقراء والمساكين، وسَيَّجها الظمأ لتَستشعر حاجة المعوزين، وبهذا الاعتبار فهو شهر التكافل والتعاون، لا شهر الاعتداء والتجاوز، ولو استحضر الناس هذه الحقيقة، لقلَّت الجريمة، وسكنت القلوب بالطمأنينة.
 
ذكر ابن عبدالبر وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يومًا، فقال: "إياكم والبِطنة في الطعام والشراب، فإنها مُفسدة للجسد، مُوَرثة للسقم، مُكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلَحُ للجسد، وأبعدُ عن السرَف، وإن امرأً لن يَهلِكَ حتى يؤثر شهوته على دينه".
 
وقال سلمة بن سعيد: "إنْ كان الرجلُ لَيُعيَّر بالبِطنة، كما يُعير بالذنب يَعمَلُهُ"، وكل ذلك محاط بقول الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
 
4- وحينما علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم ألا نَرُدَّ على مَن سبَّنا أو قاتَلنا، والاكتفاء بالقول: "إني امرؤ صائم"، فلا يقتصر المراد - والله أعلم - على الصيام الحقيقي المادي، بل يشمل صيام الجوارح: صيام اللسان، صيام السمع والبصر؛ كما قال جابر رضي الله عنه: ((إِذَا صُمْتَ، فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ))، ولا شك أن هذا لا يرتبط بزمان ولا بمكان، بل القصد منه المصاحبة على الدوام، علمًا بأن رمضان يعوِّدنا صيام أيام فضيلة أخرى؛ كستة أيام من شوال، والعشر الأول من شهر ذي الحجة، ومعظم شعبان، ويوم عرفة وعاشوراء، والاثنين والخميس، والأيام البيض، مما لو جمعته لزاد عن صيام نصف السنة.
 
5- رمضان يعلمنا كيف نكون إيجابيين تجاه الآخرين، لا نَقصر نفعَنا على ذواتنا، ولا يتجاوز نصحُنا أنفسَنا، بل نتعدى ذلك لتحقيق النفع للمسلمين أجمعين، فرمضان يربي فينا خصلةَ الإنفاق، والتطلع إلى حال المحرومين، ممن لا يجدون لقمة عيش، ولا تعرف حياتهم الاستقرارَ، ولا تسكن نفوسَهم الطمأنينةُ والسعادةُ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يأكل إلا مع المساكين والأيتام.
 
6- قيام ليالي رمضان إيذان بالتلذذ بحلاوة هذا القيام خارج رمضان، حين تستيقظ في الثلث الأخير والناس نيام، تناجي ربك، وتسأله أن يُفرج كُربتك، ويقضي حاجتك، وهو الذي يمد يده للطائعين المخبتين، مع ما في ذلك من شرف يتوج به المؤمن، ونور وجهٍ يتوسمه الناظر إليه.

اضافة تعليق