أبو عبيدة بن الجرّاح.. الأمين الذي بحث عنه النبي

الإثنين، 25 يونيو 2018 12:58 م
أبو عبيدة بن الجرّاح


هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث أشتهر بكنيته و نسبه لجده فيقال : أبو عبيدة بن الجرّاح


فضائله رضي الله عنه


عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : "إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح ".


وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة و عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : "نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح".


وقال أبو بكر رضي الله عنه يوم موت النبي صلى الله عليه و سلم : ...فبايعوا عمر أو أبا عبيدة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتاً مملوءاً برجال من أمثال أبي عبيدة".

و قال عنه عمر وهو يجود بأنفاسه: "لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله ؟ إنه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح ".

وقد أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مدداً لعمرو بن العاص، وجعله أميراً على جيش فيه أبو بكر وعمر

و كان رضي الله عنه أول من لقب بأمير الأمراء

 وصفه رضي الله عنه

 الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين وقد فقدهما في غزوة أحد كما سيذكر


إسلامه رضي الله عنه


أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للإسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذاً الدنيا وراء ظهره مستقبلاً تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة


جهاده رضي الله عنه


في غزوة بدر      


جاءت قريش بخيلها و خيلائها تريد النيل من الإسلام وكان في ركبها عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة ويذكر أبو عبيدة إبراهيم عليه السلام وأبيه حيث لم يدع ابراهيم عليه السلام وسيلة إلا اتخذها لعل قلب والده يستنير بنور الإيمان و لكنه كان عدواً لله فتبرأ منه ابراهيم عليه السلام جعل أبوه يتصدى له و جعل أبو عبيدة يحيد عنه فلما أبى الأب إلا المواجهه قتله أبو عبيدة، ونزل قوله تعالى: " لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "  - المجادلة آية 22


في غزوة أحد      


إن أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله ففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على إغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..

 ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيداً عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوماً الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، إنخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثباً حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالاً.

 وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهماً ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صوب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول : "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم إلى ربهم "؟


ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخلتا في وجنتي النبي، فلم يطق صبراً واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصديق يصف لنا هذا المشهد بكلماته .


لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة إحدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم

وقال أبو بكر : فكان أبو عبيدة من أحين الناس هتماً.


في فتح الشام       


ولاه أبو بكر رضي الله عنه القيادة العامة في أرض الشام فاستعفاه أبو عبيدة من ذلك و لكم أبو بكر أصر فلما تحرج موقف المسلمين في الشام واجتمعوا باليرموك ولى أبو بكر خالداً منصب القيادة العامة بدلاً من أبي عبيدة الذي بقى في جند حمص ولكن عمر بن الخطاب أعاده الى منصبه بعد وفاة أبي بكر، وكان يقول عنه : لا أمير على أبي عبيدة

وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى..واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاوياً عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين.

 ويسأله خالد : يرحمك الله يا أبا عبيدة ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟

فيجيبه أمين الأمة : إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة


ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولاً وعرضاً وعتاداً وعدداً فقادهم أبو عبيدة من نصر إلى نصر حتى فتح الله الأراضي الشامية كاملة فبلغ الفرات شرقاً و آسيا الصغرى شمالاً

 و رغم النصر فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..وقال : يا أيها الناس..اني مسلم من قريش..وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في إهابه.


حب رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي عبيدة


لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا..وآثره كثيراً

ويوم جاء وفد نجران من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام، قال لهم رسول الله : لأبعثن معكم رجلاً أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين.


وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع إختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أحببت الإمارة قط، حبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّراً، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة.


وفاته رضي الله عنه


عندما داهم الطاعون بلاد الشام صار يحصد الناس حصداً فوجه عمر بن الخطاب رسولاً الى أبي عبيدة يقول فيها : إني بدت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها فإن اتاك كتابي ليلاً إني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إلي و إن أتاك نهاراً فإني أعزم عليك ألا يمسي حتى تركب إلي

 فلما أخذ أبو عبيدة الكتاب قال : قد علمت حاجة أمير المؤمنين إلي فهو يريد أي يستبقي ما ليس بباق

ثم كتب اليه يقول : يا أمير المؤمنين أني قد عرفت حاجتك إلي و إني في جند من المسلمين و لا أجد بنفسي رغبة عن الذي يصيبهم و لا أريد فراقهم حتى يقضي الله في و فيهم أمراً...فإذا أتاك كتابي هذا فحلني من عزمك و ائذن لي بالبقاء

 فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضت عيناه فقال له من عنده لشدة ما رأوه من بكائه : أمات أبو عبيدة يا أمير المؤمنين قال : لا ولكن الموت منه قريب.

ولم يكذب ظن الفاروق فقد أصاب الطاعون أبي عبيدة و مات رحمه الله وقد كانت وفاته رضي الله عنه سنة ثماني عشرة من الهجرة النبوية و عمره ثمان و خمسون سنة.

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤون عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو

اضافة تعليق