التجارة تجلب الرزق والسعادة.. كيف رغب فيها الإسلام.. وحذر منها؟!

الإثنين، 25 يونيو 2018 12:10 م
التجارة تجلب الرزق والسعادة


شجع الإسلام الناس وحثهم على طلب الرزق الحلال عن طريق التجارة، ابتغاء من فضل الله. ويقول أيضًا: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم» (البقرة: 198).

وهذه الآية نزلت في موسم الحج، أي حتى في أثناء الحج يجوز للإنسان أن يبيع ويشتري، وقد كان المسلمون يتحرجون من ذلك قبل نزول الآية، ولكن هذه الآية رفعت عنهم الحرج، وأباحت لهم ممارسة التجارة حتى في موسم الحج.

 وحتى أيام الجمع ذكر الله جل علاه بقوله تعالى في شأن صلاة الجمعة: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» (الجمعة:10). ويقول سيدنا عمر: «ليس هناك مكان أحب أن يأتيني الموت فيه بعد الجهاد في سبيل الله، إلا أن أكون في سوق أبيع وأشتري من أجل عيالي»، وأخذ هذا من قول الله تعالى: «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله» (المزمل: 20).

فالتجارة في الدين مباحة ومحببة، ولقد أنعم الله على قريش أن كانت لهم تجارة في الشتاء والصيف يرتحلون من أجلها إلى الشام واليمن فيقول تعالى: «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» (قريش: 1-4). وقال تعالى: «أولم نمكن لهم حرما آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء؟» (القصص: 57).

وقد كان من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) تجار معروفون، مثل أبي بكر الصديق وعبدالرحمن بن عوف (رضي الله عنهم)، وعبد الرحمن بن عوف هو الذي هاجر من مكة إلى المدينة ولم يكن معه شيء من مال أو متاع، فآخي النبي (صلى الله عليه وسلم) بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال له سعد: يا أخي إني من أكثر الناس أموالا، فتعال أشاطرك مالي، وعندي زوجتان أنظر إلى أوقعهما في قلبك أطلقها لك، فإذا استوفت عدتها تزوجتها، وعندي داران، تسكن إحداهما وأنا أسكن الأخرى، هذا الإيثار العظيم من سعد بن الربيع قابله عفاف وترفع من عبدالرحمن بن عوف قال له: يا أخي بارك الله لك في مالك وفي أهلك وفي دارك، إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق، فدلوه على السوق فباع واشترى وعمل بالتجارة حتى غلب اليهود فيها وجمع ثروة ضخمة، حتى أنه حينما مات صولحت إحدى نسائه - وكن أربع نسوة - على ربع الثمن فكانت نصيبها ثمانين ألف دينار.. أي أن هذا المبلغ كان يساوي 32/1 من التركة، ولا ننسى القدرة الشرائية للدينار في ذلك الوقت.. وكل هذا من التجارة.

والتجارة من الكسب الطيب الذي حث عليه الإسلام وأمر به، فقد روى البزار والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئلَ: أي الكسب أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور".

قال العلماء: والبيع المبرور ما ليس فيه غش ولا خداع، ولا ما يخالف الشرع.

ومما يبين أهمية التجارة في الإسلام أن القرآن الكريم يسمى أرباحها فضل الله، ورد ذلك في قول الله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [المزمل:20].

محاذير التجارة

وبالرغم من أهمية التجارة وفضلها في الكسب، إلا أنها تحتوي على عدة مخاطر ومحاذير نبهنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذرنا منها مثل: الإفراط في حب الدنيا وجمعها وكسب الأرباح والاشتغال بذلك عن ذكر الله وعن الواجبات نحو الدين والأمة.

ففي صحيح مسلم وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب نسيئة (تأخيرًا) فقال: "ما كان يدًا بيد فلا بأس به" .

الاحتكار

وفي زمننا المعاصر أصبح الاستغلال أمرًا شائعًا خاصة في موجات الغلاء وارتفاع الأسعار، فيسعى بعض التجار إلى زيادة أرباحهم دون وجه حق فيرفعون سعر السلع عن قيمتها الحقيقية أو يسعون لاحتكار المنتجات حتى ترتفع أثمانها مما يضر باقتصاد البلاد ويجعل الناس في ضيق من العيش، وهو نهج يخالف التعاليم النبوية الشريفة وما حذرنا منه الله سبحانه وتعالى.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمل ضمن ما عمل في التجارة قبل بعثته مع عمه أبي طالب، ثم عمل في تجارة أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها، فكان يسافر في رحالات تجارية إلى الشام ويرتاد الأسواق فأصبح لديه من الخبرة والفطنة ما يعرف به الصالح من الطالح.

وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: "يا معشر التجار"، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق".

وفي ذلك تحذير شديد للتجار الذي لا يتقون الله في بيعهم وشرائهم ويكذبون على الناس في مواصفات السلع وجودتها وأسعارها.

كما اعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يغش في مواصفات السلع وجودتها بأنه ليس منه، كأن يعرض سلعته ويزينها ويخفي عيوبها عن المشتري فينخدع فيها، فمرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال للبائع: "ما هذا يا صاحب الطعام؟، قال الرجل أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني".

وقال عليه الصلاة والسلام وعلى آله: "لا يحلّ لامرئ مسلم يبيع سلعة يعلَم أن بها داء إلا أخبر به". وحينها يكون المشتري مخيرا في شرائها أو تركها.

وعن الذين يسرقون في الوزن جاء التحذير والوعيد الشديد من رب العالمين، يقول تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفـُونَ * وَإِذَا كَـالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسـِرُونَ * أَلا يَظُـنُّ أُولَئِـكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}.

وقد مدح الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم التاجر الذي يقبل من المشتري إرجاع السلعة التي ابتاعها منه إذا وجدها لا تناسبه أو ندم على شرائها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من أقال أخاه المسلم صفقةً كرهها، أقال اللَّه عثرته يوم القيامة"، وإقالة المسلم تعني يوافق البائع أن يرجع المشتري في البيع إذا ندم على شراء  السلعة أو وجد أنها غير مناسبة.

اضافة تعليق