عمرو خالد يكتب: محمد.. الإنسان والنبي

الأحد، 24 يونيو 2018 12:01 م
اسليدر-د-عمرو

لم يكن نجاح النبي في إيصال رسالة الإسلام إلى البشرية، وليد صدفة قادته إلى تحقيقه، بل هو ثمرة إصرار وإرادة، كان مدركًا منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي عليه، لعظم الأمانة التي أوكلت إليه من رب السماء، فكان على قدر المسئولية، متحملاً في سبيل ذلك ما لايطيقه بشر، لم ينشغل بأي شيء آخر يبعده عن الهدف الذي يعمل من أجله، فعمل بجد وتسلح بالصبر، لم يراوغ أو يلجأ للطرق الملتوية، كما يفعل البعض مبررًا ذلك بأن "الغاية تبرر الوسيلة"، بل كان مبدأه الشفافية والوضوح.

كان مؤهلاً لتلك المهمة منذ الصغر، فلم يكن كعادة الأطفال مشغولاً باللعب، حين كان يصحبه جده عبدالمطلب في اجتماعاته مع كبار قريش داخل الحرم، فينصت إلى أحاديثهم، وهو ما جعله يتنبأ بأنه سيكون له شأن.

كان يمتلك فصاحة البيان، وهي من السمات الشخصية الضرورية في مجتمع يشتهر أبناؤه بالفصاحة والبلاغة، ويتبارزون فيه شعرًا ونثرًا في محافلهم، حتى إن أبا بكر الصديق كان يقول للنبي: يارسول الله ما رأيت أفصح منك لسانًا"، فيقول: "وما يمنعني يا أبا بكر وأنا من قريش وربيت في بني سعد".

قبل أن يكون نبيًا، فهو إنسان يختلط بالناس، يعرف اهتماماتهم ومشاكلهم، ساعده على ذلك عمله في سن مبكرة، فاشتغل راعيًا حتى عمر 12عامًا، وعمل في التجارة لسنوات طويلة، فاشتهر بصدقه وأمانته في معاملاته مع غيره، كان يعرف بأنه الصادق الأمين، شهد له بذلك أعداؤه قبل أنصاره، ومن كان كذلك، فهو يملك ثروة عظيمة.

كان أخلاقًا تمشي على الأرض، فلم يكن بحاجة إلى لافتة تحث الناس على الأخلاق والفضيلة، وهو النموذج والقدوة لهم في أخلاقه ومعاملاته، فقال الله تعالى عنه "وإنك لعلى خلق عظيم"، كانت السيدة عائشة تُسأل عن أخلاقه، فتجيب: "كان خلقه القرآن"، وهو الهدف الذي من أجله أرسل إلى العالمين "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

على الرغم من أنه وجد صدودًا وإعراضًا، وتعرض لكافة أشكال وألوان الأذى التي تنوء بها الجبال، فلم يجزع، أو ييأس أبدًا، أو يرد الإساءة بمثلها، وهو الذي جاءه ملك الجبال، قائلاً له: "لو شئت لأطبقت عليهم الأخشدين"، لكنه كان مؤمنًا بأنه بداخلهم بذرة خير، وإن لم تنم بعد، لكنها ستنضج في يوم ما، فكان يدعو لهم: "اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون".     

لم يكن الحكم أو السلطان هو الهدف بالنسبة له، وإلا لكان قبل حين عرضته عليه قريش، كانت مهمته إصلاحية في المقام الأول، فعمل على محاربة الخرافة والجهل، ومقاومة العادات الذميمة التي كانت سائدة في أوساط المجتمع الذي يعيش فيه، ومن بينها وأد البنات، "وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت"، والغش في المعاملات التجارية "ويل للمطففين".

كان في كل تصرفاته نموذجًا يحتذى به، كان يتعامل مع الناس من منظور إنساني، وأرسى قواعد المواطنة في مجتمع كان قائمًا على العنصرية البغيضة، ساوى بين الحر والعبد، والعربي والأجنبي، "لافرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، طبق العدالة على الجميع دون استثناء، "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".

قاوم بشدة كل الضغوط والإغراءات التي تلقاها في سبيل التوقف عن الدعوة إلى الإسلام، وفي ذلك قال مقولته الشهيرة لعمه أبي طالب: "والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر عن يساري، ما تركت هذا الأمر، أو أهلك دونه". 

لم يضبط يومًا متلبسًا بالدعوة إلى العنف، أو محرضًا على قتل عدو له، ولم يكن ذلك عن ضعف كما يدعي البعض، بل لأنه مؤمن بأن الإسلام دين سلام، أساسه الرحمة، لا القتل وسفك الدماء، كان يسعى إلى الحفاظ على تماسك الوطن ووحدته، بعيدًا عن أجواء الصراعات والقتال، وليس كما يفعل البعض في تحقيق غاية شخصية غير مبال بأية عواقب أو خسائر.

فنجده في مكة يأمر أصحابه بالصلاة خارج حدود مكة في "الشعاب"، وليس في الحرم، ويجمعهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم من أجل أن يضبط تصرفاتهم، ويتفادوا استفزاز قريش لهم، وليس كما يشيع البعض بأنها كانت مقرًا للعمل السري، فيها علّم أصحابه معنى السلام "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم. أفشوا السلام بينكم".

وحتى مع امتلاكه من أسباب القوة ما يجعله قادرًا على مواجهة قريش كان حريصًا على الابتعاد عن المواجهة، ومن ثم يقبل بالصلح لاحقًا مع قريش، حتى يحقن الدماء، فيعود في العام التالي فاتحًا مكة، بدون قتال، مقدمًا أجمل صور التسامح في العفو عمن آذوه وتربصوا به يريدون قتله والقضاء على رسالته: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

كانت نظرته إلى المرأة نظرة تقدير واحترام، فلم يعمل على تهميشها، وهي شريكته منذ اللحظة الأولى في رسالته، فكانت السيدة خديجة له خير داعم، لم تتخل عنه يوم أن حاصرته قريش، وفضلت أن تكون إلى جواره، رغم مرارة الألم والمعاناة والعيش في ظروف بالغة القسوة لمدة 3سنوات، فاستحقت عن جدارة أن تسكن قلبه ولاتفارقه أبدًا، عندما سئل عن سبب ذلك بعد 10سنوات من وفاتها قال "إن الله غرس حبها في قلبي"، لذا فلاعجب أن تكون آخر وصاياه وهو على سرير الموت متعلقة بالمرأة: "أوصيكم بالنساء خيرًا".

قدّم النموذج في التعايش والتسامح مع الآخر، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة التي كان تدين بالمسيحية، عندما اشتد إيذاء قريش لهم، وقال عن ملكها النجاشي، إن "فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد"، بل واختاره وكيلاً عنه في زواجها من السيدة حبيبة، وعندما أراد الهجرة إلى المدينة كان دليله عبدالله بن أريقط وكان مشركًا ليس على دين الإسلام.

في المدينة، حيث أقيمت أول دولة للمسلمين، استقبل وفدًا من نصارى نجران في مسجده، وسمح لهم بالصلاة فيه، وهل هناك تسامح أكثر من ذلك، كما عقد المعاهدات مع اليهود الذين كانوا يقيمون فيها، بأن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، لم يفرض عليهم أمرًا يكرهونه، لم يجبرهم على دخول الإسلام، لم يطرد أحدًا منهم، ولم يقاتلهم إلا عندما أخلوا بالاتفاقات معهم، وتأمروا عليه.

ما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت إلى إحياء سنة النبي في كل شيء، بحاجة إلى فهم الإسلام بنفس الروح التي قدمه بها النبي إلى البشرية، فهم يقوم على الإيمان بـأن الحياة للإعمار وليست للقتل والدمار، فهم حقيقي لمعنى أنه "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، فهم ينشر معنى السلام، والتسامح والتعاون بين البشر، ولايذكي أجواء الصراع والفتن بينهم.  

اضافة تعليق