تعرف على أوجه الإعجاز في سورة الفيل

الأحد، 24 يونيو 2018 10:11 ص
الإعجاز في سورة الفيل

 
الإعجاز في القرآن لا ينتهي أبدًا.. وكل سورة بل كل حرف يحوي العديد من الإعجاز الذي مهما بلغ العلم فيه فلن يصل إلى نهايته، تأكيدًا لقوله تعالى: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا".
 
ونستعرض هنا الإعجاز في سورة الفيل:

لما كانت سُنَّة الله في خَلْقه أن يقطع دابِرَ الكافرين، سلَّط الله عليه وعلى جُنْدِه الأحباش النصارى الذين غزوا اليمن انتصارًا لاضطهاد إخوانهم، فجاسوا خلال الديار، وقتَّلوا الكافرين تقتيلًا، وكان على الجيش أبرهة الذي بنى بعد انتصاره كنيسةً رفيعةَ البناء، وعزم على أن يصرف حجَّ العرب إليها كما يُحَجُّ إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مَمْلَكته، فغضبت قريشٌ لذلك، وقصد كنيسة أبرهة بعضُهم، فدخلها ليلًا ونجَّسَها، فلما رأى السَّدَنةُ ذلك الحَدَثَ، قالوا لأبرهة: إنما صنع هذا بعضُ قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم ليسيرنَّ إلى بيت مكة، وليخرِّبنَّه حجرًا حجرًا، فخرج بجيشه قاصدًا الكعبة؛ قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ [الفيل: 1].
 
قوله سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾: الاستفهام هنا للتقرير، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو أنه لم يَرَ الحادثة، فهو ولد في عام الفيل، ومعنى الآية: ألم تعلم أو ألم يبلغك فيما أُوحِي إليك، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ [البقرة: 258]، وكقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ [البقرة: 246]؛ إذ إن علم اليقين من القرآن والسنَّة يصير كرأي العين وهي الرؤية القلبيَّة؛ قال سبحانه: ﴿ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ [التكاثر: 5، 6]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَرَّهُ أن يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القيامة كأنَّه رأيُ العَيْنِ، فَلْيَقْرَأ: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [التكوير: 1]، و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: 1]، و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ [الانفطار: 1]))؛ الصحيحة؛ وقال حنظلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة حتى كأنها رأيُ العَيْنِ، فإذا خَرَجْنا من عندك، عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعات، فنَسِينا كثيرًا"؛ صحيح مسلم.
 
وقال سبحانه: ﴿ كَيْفَ فَعَلَ ﴾، ولم يقل: ما فعل، وفي هذا إشارة إلى تهويل الحادث، وأنه وقع على كيفيَّةٍ وحالةٍ، هي فوق مستوى ما عهِده البشر، وأضاف سبحانه لاسمه الربِّ ضميرَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، دون ضمير غيره، إضافةَ تشريفٍ، فهو أكملُ الناس، وأقومُهم بالعبوديَّة لله، ولبيان اختصاص هذا الحادث به، وأنه كان من أجْلِه، ومن أجل رِسالتِه، وللإشارة إلى أن هذا الفعل لا يقدر عليه أحدٌ سواه سبحانه، ثم زاد سبحانه تقريرًا إلى التقرير الأول، فقال: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ [الفيل: 2]؛ أي: قد جعل الله كَيْدَهم في تضليل.
 
والكيد: الحيلة والمكر والخداع لبلوغ الهدف، ويكون في خفية، وسمَّاه سبحانه كَيْدًا، مع أنهم جاؤوا لهدم الكعبة جهارًا نهارًا؛ لأن ما حدث في الكنيسة ما كان إلا ذريعةً لغزو مكة بنوايا خبيثة مدسوسة، ولا يزال مثل هذا الكيد يُكادُ بالإسلام وأرْضِه وأهله إلى يومنا هذا.
 
والتضليل: جعل الغير ضالًّا، لا يهتدي لمراده، فالله أبطل كيدهم بتضليلهم فلم ينتفعوا بحيلتهم، ولا بقوَّتهم ولا بعَدَدهم، مع ضَعف وقلَّة أصحاب مكة.
 
﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴾ [الفيل: 3]: قال البخاري في صحيحه: قال مجاهد: ﴿ أَبابِيلَ ﴾: "متتابعة مجتمعة".
 
﴿ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ [الفيل: 4]: قال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: ﴿ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾: "هي سَنْكِ وَكِلْ"، ومعناها: حجر وطين.
 
﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 5] العصف: هو ورق الزرع إذا يبس، فتعصف به الرياح لخفَّته، زيادة على هذا فقد وصفه سبحانه بأنه مأكولٌ، فهو مع يُبوسته مُتقطِّع غير مكتمل الأوصاف.
 
عن ابن عباس قال: "جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصِّفاح - (موضعَ خارجِ مكةَ مِن جهةِ طريقِ اليَمَنِ) - فأتاهم عبدالمطلب، فقال: إن هذا بيت الله، لم يُسلِّط عليه أحدًا، قالوا: لا نرجع حتى نهدِمَه، وكانوا لا يُقدِّمون فِيْلَهم إلا تأخَّر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارةً سوداء عليها الطين، فلما حاذَتْهم رَمَتْهُم، فما بقي منهم أحدٌ إلا أخذته الحَكَّة، وكان لا يحُكُّ أحدٌ منهم جِلْدَه إلا تساقط لحْمُه".
 
وهكذا ذكَّرَ اللهُ نبيَّه بنعمته عليه؛ إذ صرف ذلك العدوَّ العظيم عامَ مولِدِه، تعظيمًا لجنابه، وإرهاصًا بنبوَّته، فهو صلى الله عليه وسلم أعظم حُرْمةً وشرفًا من الكعبة مع عظمتها، فقد نظر صلى الله عليه وسلم إليها، وقال: ((مرحبًا بِكِ من بيتٍ، ما أعظمَكِ، وأعظمَ حُرْمَتَكِ، ولَلْمُؤمِنُ أعْظَمُ حُرْمةً عند اللهِ منكِ، إن اللهَ حرَّم منكِ واحدةً، وحرَّمَ مِنَ المؤمنِ ثلاثًا: دمَه، ومالَه، وأن يُظَنَّ به ظَنُّ السُّوء)).

اضافة تعليق