حبيب النجار.. "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"

السبت، 23 يونيو 2018 10:33 ص
حبيب النجار صاحب



أحب سيدنا عيسى عليه السلام أن ينشر دعوته، وأن يدعو الناس خارج فلسطين إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فأرسل اثنين من حوارييه إلى مدينة في شمال بلاد الشام تسمى أنطاكية، واسم هذين الرسولين صادق وصدوق، توجه الداعيان إلى الشمال يقطعان السهول الخضراء، ويصعدان الجبال الشاهقة، ويتحملان عناء السفر، وهما راضیان بذلك لأنهما ينفذان أمر رسول الله عيسى عليه السلام ولأن تعبهما في سبيل الله.

ولما وصلا إلى مشارف أنطاكية وجدا رجلا مسكينا يدعى حبيب النجار، يرعى غنيمات له، وقد أصابه مرض جلدي يسمى الجذام، شوه هذا المرض منظره، وأزعجه، ولذا اعتزل الناس في كهف بعيد، وأخذ يعبد صنما له ويدعوه بحرارة راجيا أن يعافيه ويشفيه ومرت الشهور والأعوام وحبيب يدعو صنمه ولكن دون فائدة.. فمن أين للحجر أن يسمع؟!.. ومن أين له أن يستجيب الدعاء؟؟ ألقي صادق وصدوق التحية على حبيب النجار فرد عليهما، وقد أعجب بتحيتهما ودعاهما للجلوس ثم قام وحلب غنيماته وقدم لهما الحليب وزاد عجبه حين بدا شرابهما باسم الله وختماه بالحمد لله فسألهما ومن هذا الإله الذي تشكرانه وتحمدانه، فأجاب صادق بكلام هادئ يفيض صدقاً وعذوبة: إنه الله خالق السماء والأرض وخالق البشر، فقال حبيب وهل من علامة تدل على هذا الإله ؟ قال صادق: نعم إنني أدعو الله أن يعافيك من هذا المرض الذي أصابك.
 

فرح حبيب وقال: أصحيح أن ربكما يستطيع أن يشفيني من مرضي؟ هل يعيد إليّ جلدي جميلا كما كان؟ لكما عليّ وعد صادق إذا حدث ذلك أن أومن به، وألا أشرك به شيئا.


مسح صادق على جلد حبيب وأخذ يدعو الله بصدق وخشوع وبإذن الله لم تمر ساعة إلا وأذهب الله المرض عن جلد حبيب فعاد جميلا حسنا، فنظر إليه حبيب وكاد يطير من الفرح ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن الله قادر يستجيب الدعاء وانطلق حبيب إلى الصنم الذي عبده سنين طويلة دون فائدة وأخذ يحطمه.


تابع الرسولان الداعيان طريقهما إلى أنطاكية لأداء المهمة التي أتيا من أجلها وكان في تلك المدينة ملك ظالم غضب عليهما حين سمع أنهما يدعوان إلى دين جديد، فلم يسمع لقولهما، ولم يتأثر بما يبديانه من شفاء المرضى بإذن الله فقرر قتلهما، وعلم عیسی عليه السلام بما عزم عليه الملك الظالم فأرسل داعية ثالثا يسمی شمعون حتى يساعد صاحبيه ولكن الملك لم يرجع عن كفره وقراره، فلم يستطع حبيب النجار أن يصبر على هذا الملك وجاء من خارج المدينة ليدافع عن إخوانه الذين أحبهم في الله وكانوا سببا في شفائه من مرضه.


ولما دخل على الملك قال: یا قوم إنكم تعلمون بمرضي، وتعرفون أنني عبدت الصنم سنين طويلة ولكنه لم يشفني من مرضي.. لقد أشفاني رب هؤلاء الرسل، فكيف تقتلونهم، وهم لا يطلبون منكم ما ولا أجرأ ولا مصلحة دنيوية؟؟ يا قوم… اسمعوا نصيحتي وأتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين .. فما كان من الملك إلا أن أشار إلى رجاله فهجموا على حبيب النجار وقتلوه ثم هجموا على الرسل الثلاثة فأزهقوا أرواحهم الطاهرة ولم يترك الله نصرة عباده الصالحين فأرسل جبريل عليه السلام فصاح صيحة واحدة صعقت الملك وأعوانه وجعلتهم عبرة لمن يعتبر.

وذكرت قصة هؤلاء في سورة يس، قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}.

اضافة تعليق