غرس الإيمان في قلوب الصغار.. هكذا علّم النبي شباب المدينة

السبت، 23 يونيو 2018 09:56 ص
غرس الإيمان في قلوب الصغار

 
لاشك أن أعظم شيء يقدمه الأب لأولاده، والمربي لمن يربيهم، أن يغرس في قلوبهم الإيمان، وينميه فيهم، ويعلمهم أحكامه وواجباته ولوازمه وفضائله وآثاره على العبد؛ فإن الإيمان أقوى سلاح تواجه به أعباء الحياة ومشاكلها وهمومها، وهو الجنة التي يستريح فيها المؤمن حال المصائب والأزمات، وهو الحصن الذي يتحصن فيه العبد من الفتن، وهو الرجاء الذي يرجوه بعد الممات. ولا شيء في حياة العبد يعدل الإيمان. والإنسان بلا إيمان ليس شيئًا يذكر.
 
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الشباب، ويغرس فيهم حقائق الإيمان، ويبين لهم معانيه، ويعلق قلوبهم بالله تعالى في كل أمورهم، ومن ذلك تعليمه لهم الاستخارة في أمورهم. والاستخارة هي طلب الخيرة من الله تعالى فيما أهمّ الإنسان، والتبرؤ من الحول والطول والقوة، وذلك محض الإيمان، وفي حديث الاستخارة من المعاني الإيمانية ما يعلق قلب المستخير بالله تعالى، فلا يركن إلى الأسباب الدنيوية، فإذا تخلف مطلوبه أصيب باليأس والإحباط، وربما بالانهيار والهلاك، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ...» رواه البخاري. ثم يشرع بعد ذلك في ذكر حاجته التي يستخير الله تعالى فيها.
 
والملاحظ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء فيما أهمهم من أمورهم كما يعلمهم السورة من القرآن، أي: يحفظونه كما يحفظون السورة من القرآن؛ لأهميته للواحد منهم، ومسيس حاجتهم إليه. ويحدث صلى الله عليه وسلم بذلك جابرا ومن معه، وجابر كان شابا يافعا، توفي وعمره ست وعشرون سنة فقط، وربما أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمه هذا الدعاء الذي ينضح بالإيمان وهو دون ست وعشرين، وربما دون العشرين؛ ليعلق قلبه بالله تعالى وهو شاب غض، فينتفع حياته كلها بتعلقه بالله تعالى في كل شؤونه، ولا سيما أن معاني هذا الدعاء عظيمة؛ ففيه الإقرار بعلم الله تعالى وقدرته وأنه سبحانه علام الغيوب، ومقدر الأقدار، مع الاعتراف بجهل النفس وضعفها وعدم قدرتها على ما تطلب، ولا رد ما ترهب، وهذا من أهم ما يجب أن يُربى عليه الشباب، وهم يخطون خطواتهم نحو مستقبلهم، ويواجهون أعباء الحياة ومتطلباتها؛ ليكون فيهم قوة يستمدونها من الله تعالى، فلا يغترون بما يحققونه من نجاحات، ولا يصيبهم الإحباط واليأس في الإخفاقات.
 
فالواثق بالله تعالى يعاود الكرة بعد الكرة، وهو موقن بنجاحه؛ لأن الله تعالى معه باستعانته به سبحانه، وموقن أن ما يصيبه من فشل وإحباط فهو بقدر الله تعالى، مع يقينه بأن ذلك الإخفاق لمصلحته؛ لأنه مستخير ربه سبحانه، فيرده عن شر قادم، أو يبطئه لخير ينتظره يريده الله تعالى به. وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهِمُّ بِالْأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ أَوِ الْإِمَارَةِ، حَتَّى إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، فَيَقُولُ لِلْمَلَكِ: اصْرِفْهُ عَنْهُ قَالَ: فَيَصْرِفُهُ، فَيَتَظَنَّى بِحَيْرَتِهِ: سَبَقَنِي فُلَانٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا اللَّهُ» رواه الدارمي، وفي رواية: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهُمُّ بِالْأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالْإِمَارَةِ حَتَّى يَتَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: اصْرِفُوا عَنْهُ فَإِنِّي إِنْ يَسَّرْتُهُ لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ، قَالَ: فَيَصْرِفُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» صححه الذهبي وابن القيم.
 
فحري بالشباب أن يحرصوا على تعلم الإيمان وتحصيله، والازدياد منه في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، وحري بالآباء والأمهات والمربين والمربيات أن يلقنوا أولادهم ومن هم تحت أيديهم الإيمان ومتعلقاته؛ حتى يشب الطفل عليه، ويهرم عليه الشاب؛ فلا تزحزحه فتن السراء والضراء عن إيمانه، ولا تجمح به الأهواء والشهوات إلى ما يوبقه ويهلكه؛ فإن الإيمان جُنة المؤمنين وجَنتهم، وهو أعلى نعيم لهم في الدنيا، ولا يعدله نعيم مهما كان ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].
 
تأملوا معي قول جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ "فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا" رواه ابن ماجه.
 
وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ عَنْهُمَا: عَلَّمَنِي رَسُولُ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ... إلى آخر الدعاء" رواه أبو داود.
 
كم كان عمر الحسن رضي الله عنه حين علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء؟! إنه على اليقين لم يتجاوز سبع سنوات، ويحتمل أنه ابن ست أو خمس أو أربع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمر الحسن سبع سنوات فقط.
 
يعلمه أن يدعو بهذا الدعاء في وتره، والوتر كل ليلة، فهو دعاء يتكرر كل ليلة، وتأملوا بماذا يدعو: يسأل الله تعالى أن يهديه وأن يعافيه وأن يتولاه وأن يبارك له فيما أعطاه، وأن يقيه شر ما قضاه، ثم يختمه بهذه المعاني الإيمانية العالية: "إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ".
 
وفي حادثة أخرى عجيبة يحكيها صاحبها أَبِو سَعِيدِ بْنُ المُعَلَّى رضي الله عنه فيقول: كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... ثُمَّ قَالَ لِي: "لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ". ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: "أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ"، قَالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] "هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" رواه البخاري.
 
يعلمه سورة الفاتحة، ويعظمها في نفسه، فيخبره أنها أعظم سورة في القرآن ليعتني بها، ويفهم معانيها، ويتزود الإيمان منها؛ وذلك أنها سورة جمعت معاني الإيمان، وحوت خصاله، وتضمنت جميع أنواع التوحيد، فالعناية بها عناية بالإيمان، وفهمها يزيد الإيمان.
 
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وعمر أبي سعيد بن المعلى الأنصاري تسع سنوات فقط، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم عظمة الفاتحة وهو ابن تسع أو ثمان أو سبع أو أقل من ذلك.
 
فلا يأنف أحد من الناس أن يرى طفلا فيعلمه شيئا من الإيمان، فقد تقذف أنت كلمة إيمانية في قلب طفل فارغ من أي شيء، فيتمكن الإيمان من قلبه بسبب كلمتك وأنت لا تدري، فينتفع بهذه الكلمة في دنياه وأخراه، وتؤجر أنت على ذلك.
 
وكان أنس بن مالك رضي الله عنه خادما للنبي صلى الله عليه وسلم منذ كان عمره عشر سنوات، فتعلم الإيمان منه بطول ملازمته، ومما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له:"يَا أَنَسُ، إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ - أَوِ الْبُصَيْرَةُ - فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا، أَوْ دَخَلْتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا، وَكِلَاءَهَا، وَسُوقَهَا، وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" رواه أبو داود.
 
فخصه بهذه الوصية، وعاش أنس رضي الله عنه طويلا فأدرك تمصير البصرة وإعمارها فعمل بالوصية. وهذا الحديث من علامات النبوة.

اضافة تعليق