الكبرياء.. إياك أن تنازع الله فيه

الجمعة، 22 يونيو 2018 01:31 م
الاختيال والكبرياء


الاختيال والكبرياء.. من أكثر ما يضر الإنسان دونما أن يشعر.. لذلك ليعلم الجميع أن من أسماء الله تعالى "المُتَكبّر" و"الكبير"؛ أي العظيم ذو الكبْرياء، وقيل: المُتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المُتَكَبِّر على عُتاة خَلْقِه، والتاء فيه للتّفَرّد والتَّخَصّص لا تَاءُ التَّعَاطِي والتَّكَلُّف.

وأما التَّكَبُّر فعلى وجهين..
أحدهما: أن تكون الأَفعالُ الحسنة كبيرةً في الحقيقة وزائدةً على محاسن غيره، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ [الحشر: 23].

والثاني: أن يكون مُتَكَلِّفا لذلك مُتَشَبِّعا، وذلك في عامّة الناس نحو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]، وكل من وُصِف بالتكبُّر على الوجه الأول فمحمود دون الثاني، ويدلُّ على صحة وَصف الإنسان به قوله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146]، والتَّكَبُّر على المُتَكَبِّر صدقة.

والكِبْرياء:
العَظَمة والمُلْك، وقيل: هي عِبارة عن كَمال الذَّات وكمال الوجود، ولا يُوصَف بها إلا اللهُ تعالى. والكِبْرِياء: التَّرَفُّع عن الانْقِياد ولا يستحقّه إلا اللهُ تعالى.. قال تعالى: "الكِبْرِياءُ رِدائي والعَظَمَةُ إزاري فَمَنْ نازَعَني في شيءٍ منهما قَصَمْتهُ ولا أُبالي".

والتكبر والكبرياء من الكِبر -بالكسر- وهو العظمة. ويقال: كَبُر بالضم يَكْبُر: أي عَظُم فهو كبير. وقيل: الكِبْر: الإثم، وهو من الكَبِيرة كالخِطْء من الخَطيئة. وفي الحديث "لا يَدخُلُ الجنةَ من في قَلْبه مِثقالُ حَبَّة من خَرْدَلٍ من كِبْر".. يَعْني كِبْر الكُفْر والشِّرك؛ كقوله تعالى: ﴿ إنَّ الذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِباَدَتِي سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ﴾ (غافر: 60). وفيه: "ولكن الكِبْر كِبْرُ مَنْ بَطِر الحقَّ"؛ كقوله تعالى: ﴿ ولكنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ [البقرة: 189].

والاستكبار:
التعظُّم، وأن يتكبّر ويتعظَّم. وهو استفعال من "كبر" يشعر بالتكلّف؛ لأنها صفة غير أصيلة؛ لذا تثبُت في حق كل أحد سوى الله تعالى؛ ولذا لم يرد وصف الله بـ"المستكبر"، ووصف به غيره وسمى نفسه "المتكبّر"؛ فالمتكبر واحد هو الله تعالى والمستكبرون من عداه تعالى.

والاسْتِكْبار على وجهين:
أحدهما: أن يتحرَّى الإنسان ويطلب أن يكون كبيرا، وذلك متى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب فهو محمود.

والثاني: أن يَتَشَبَّع فيُظهِر من نَفْسِه ما ليس له فهذا هو المذموم، وعليه ورد القرآن وهو قوله تعالى: ﴿ أبى واسْتَكْبَر ﴾ (البقرة: 34).

وفي قوله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عنْ آياتيَ الذينَ يَتَكَبَّرونَ في الأَرْض بِغَيْرِ الحقِّ ﴾ (الأعراف: 146).. قال الزَّجَّاج: معنى يتكبَّرون أنهم يرون أنهم أفضل الخلق، وأنّ لهم مِن الحق ما ليس لغيرهم، وهذه لا تكون إلا لله خاصَّة؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي له القُدْرَة والفَضل الذي ليس لأحدٍ مثله، وذلك الذي يستحقُّ أن يُقال له المُتَكَبِّر وليس لأحدٍ أن يتَكَبَّر؛ لأنَّ الناس في الحقوق سواءٌ فليس لأحدٍ ما ليس لغيره، وقيل: إنَّ ﴿ يتَكَبَّرُونَ ﴾ هنا من الكِبَرِ لا من الكِبْرِ؛ أي يتفضَّلون ويرون أنهم أفضل الخلق.

والكِبْر والتَّكَبُّر والاسْتِكْبار متقاربةٌ؛ فالكِبْرُ: حالةٌ يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسَه أَكبَر من غيره، وأعظم الكِبْر التَّكَبُّر على الله بالامتناع عن قبول الحقّ.

أولاً: إنكار القلب والكفر بالآخرة:

يقول تعالى: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ (النحل: 22-23).

حقًّا أن الله يعلم ما يسر هؤلاء المشركون من إنكارهم ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفِرْيَتهم عليه. إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحِّدُوه ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد، وكان الحسن بن علي يجلس إلى المساكين ثم يقول ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾.

قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه لا إله (إلا) هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ (ص: 5)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ (الزمر: 45)، وقوله: ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾؛ أي عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده؛ كما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ (غافر: 60)، ولهذا قال هاهنا ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾؛ أي حقًّا ﴿ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾؛ أي وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾.

وقال القرطبي: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾؛ أي من القول والعمل فيجازيهم.. قال الخليل: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ كلمة تحقيق، ولا تكون إلا جوابًا.. يقال: فعلوا ذلك فيقال: لا جرم سيندمون؛ أي حقًّا أن لهم النار... ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾؛ أي لا يثيبهم ولا يُثني عليهم، وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدَّموا كِسَرًا بينهم وهم يأكلون فقالوا: الغذاء يا أبا عبد الله؛ فنزل وجلس معهم، وقال ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾، فلما فرغ قال: قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستُّر منه وإخفاؤه إلا الكبر؛ فإنه فسقٌ يلزمه الإعلان وهو أصل العصيانِ كلِّه، وفي الحديث الصحيح: "إن المتكبِّرين يحشرون أمثال الذرّ يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبُّرهم"، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -. تُصغّر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صِغَرها، وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عِظَمُها.

اضافة تعليق