من رمضان للحج.. هذا هو الرابط

الخميس، 21 يونيو 2018 12:59 م
920165125144970720648

 
بمجرد أن ينتهي شهر رمضان المبارك، تهفو قلوب المسلمين جميعًا إلى الوقوف بعرفات.. فهل هناك رابط بين شعيرتي الصيام والحج؟.. الحقيقة نعم.. إنها التقوى قال الله تعالى مُبيِّنًا الهدفَ الأسمى والغايةَ المثلى من هذا التشريع لفريضة الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وقال في شعيرة الحج: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].
 
والرَّبْط بين الشعيرتين هو أن رمضان مقدِّمةٌ للحج؛ فالحاجُّ الذي قد صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وعوَّدَ نفسَه على تقوى الله باجتناب الرَّفَث والفُسوق والجِدال وغيرها من البذيء من الأخلاق، وزكَّى نفسَه بالصالحات من الأعمال، ومن جُملتها: الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، يكون بذلك قد تزوَّد بهذا الزاد من التَّقْوى لحجِّه، فيخرج من رمضان مُتشبِّعًا بتقوى الله، فينعم بالفريضتين، وينال الثواب مستوفًى، فيخرج من رمضان مُستنيرًا بنور الصيام والقرآن، فيُقبِل على البقاع المقدَّسة طاهرًا نقيًّا صفيًّا، فيستكين ويطمئنُّ قلبُه، فتراه في حجِّه متواضِعًا متأدِّبًا خائفًا وجِلًا مُعظِّمًا لهذه الشعيرة التي قال في حقِّها جَلَّ وعلا: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]؛ فينال عظيم ما يمنُّه الله على الصالحين من عباده؛ وهو المغفرة، فيرجع كيوم ولدتْهُ أُمُّه.
 
وجاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان يومُ صَوْمِ أحدِكُم، فلا يَرْفُثْ ولا يَفْسُقْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحَدٌ أو قاتَلَه، فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ)).
 
وقال جل وعلا: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]، وروى البخاري ومسلم رحمهما الله عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كما وَلَدَتْهُ أُمُّه)).
 
التقوى: حينما يصفو القلب، ويُنقَّى من شوائب الران الذي سبَّبتْه الذنوب والمعاصي، ينجلي عنه حِجابُ الغَفْلة وظلامُ الجهل؛ فيستنير بنور الذكر، ويذوق حينها لذَّةَ العبادة، ويأنَس بها، وتكون قُرَّةَ عَيْنٍ له؛ فيكون ملازمًا لها، حريصًا على وقتها، يفرح لقدومها، ويحزَن لفواتِها، فبالتَّقْوى تُؤدَّى العبادةُ تامَّةً كما يليق بجلال الله وكماله، ويهتدي بها صاحبُها لخير الدنيا والآخرة.
 
فأهل البصيرة والعقول المستنيرة هم أوْلَى بتقوى الله من غيرهم، فمن تمام شُكْر الله تعالى على نِعْمة العقل والبصيرة - وكفى بالعقل نعمة - تقوى مُسديها وخوف مُعطيها؛ قال الله تعالى: ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [المدثر: 56]، فالمغفرة - التي هي جلاء النفوس وزكاتها، وصفاء القلوب وماء حياتها - يَشْترِط لها البَرُّ سبحانه وتعالى: التقوى، فبتقوى الله يتحقَّق كلُّ مرغوب، ويُنال كلُّ مطلوب، فينبغي للحاجِّ أن يتضلَّع منها في صومه كما يتضلَّع من زمزم في حجِّه.
 
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صامَ رَمَضانَ إِيمانًا وَاحْتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))؛ رواه البخاري ومسلم رحمهما الله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّه))؛ رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
 
ختام الشعيرتين بالمغفرة هي للدلالة على ما في المغفرة من فضل، كيف لا وسبب الشِّقْوة في الدارين ذنوبُ العباد وخطاياهم؟! فإذا غُفِرت تجلَّى عن القلوب ضبابُ الران، وزالت غشاوة الغفلة، وولج نورُ الذِّكْر القلوبَ، فاطمأنَّ العبدُ واستراح واستكان، وسَعِدَ في حياته؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].
 
فتقوى الله مع الصوم والحج تغسلان الذنوب غسلًا، وتُطهِّران القلوب تطهيرًا، وتُحقِّقان مرادَ الله تعالى في هذه الحياة؛ وهو الحياة الطيبة والآمنة والمطمئنة؛ قال جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5].
 
فالتقوى التقوى حُجَّاجَ بيت الله الحرام، وتزوَّدوا من شهركم لحجِّكم، ومن الأيام المعدودات للأيام المعلومات، ومن ليالٍ عشر لأيام عشر، وعظِّمُوا ما أمركم الله بتعظيمه؛ فإن الذنب في هذه البقاع ليس كالذنب في غيرها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25].
 
حُجَّاج بيت الله الحرام، إنكم مُقبِلون على الله في أقدس بقاعه، فأعِدُّوا لزيارته خيرَ عدةٍ كما أوصاكم ربُّكم، فخيرُ ما تُقدِّمونه بين يدي حجِّكم تَقْوى ربِّكم؛ حتى يُحقِّقَ لكم المغفرة التي تنالون بها ثواب الدنيا والآخرة.

اضافة تعليق