هل أخبر زوجتي بإصابتي بفيروس (B) قبل الزواج؟

الأربعاء، 20 يونيو 2018 05:25 م
فيرس  بي

مع انتشار العديد من الأمراض الوبائية مثل فيروسات الكبد والتي يؤثر بعضها على الطرف الآخر في الزواج يكثر هذا التساؤل: هل يُعدّ فيروس "بي" (B) الكبدي مانعًا من الزواج؟ وهل يجب إخبار الزوجة به أم لا؟
الجواب:
 فيروس "بي" (B) هو أخطر أنواع الفيروسات الكبدية -كما يقول الأطباء المختصون-؛ لأنه هو الوحيد من بينها الذي قد يتحول إلى أورام سرطانية خبيثة في الكبد، وكما ينتقل عن طريق الدم فإنه ينتقل أيضًا عن طريق العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة إذا كان أحدهما مصابًا به، بخلاف فيروس "سي" (C) الذي لا ينتقل إلّا عن طريق الدم فقط، ومن الممكن معالجة مرض فيروس "بي" (B) والقضاء عليه تمامًا بالمتابعة الطبية الجيدة عند الأطباء المختصين. ومع خطورة هذا المرض فإنه الوحيد من بين الفيروسات الكبدية حتى الآن الذي يوجد له تطعيم ولقاح يعطي مناعةً ضدَّه مدى الحياة، ويؤخذ على ثلاث جرعات، وعند تَشَكُّل الأجسام المضادة لدى آخذه لا يعود هناك خطر عليه من أي شخص حامل للفيروس "بي" (B).
وقد حذَّر الشرع الشريف من مخالطة ذوي الأمراض المعدية على الوجه المؤدي إلى انتقال العدوى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» رواه الشيخان. وعنه رضي الله عنه أيضًا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» أخرجه البخاري في "صحيحه" تعليقًا، وأحمد في "المسند"، وغيرهما.
قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 304، ط. دار الكتب العلمية): [صيانة النفس عن كلِّ مكروهٍ مَخُوفٍ واجبٌ] اهـ.
ولا يخفى أن التعرض للإصابة بهذا الفيروس ضررٌ يجب دفعه شرعًا، والزواج وإن كان في الأصل مشروعًا لِمَن قدِرَ عليه ماديًّا وبدنيًّا، إلّا أنه يكون حرامًا إذا أدَّى لإصابة أحد طرفيه بضرر محقق؛ فإن الإضرار بالغير حرام؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه أحمد وغيره. والنكاح وإن كان فيه مصلحة دينية ودنيوية إلا أن الإصابة بهذا الداء الخطير مفسدة شديدة، وقد تقرر في الشرع الشريف أن "درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح".
وقد نص الفقهاء على أن الزواج يكون حرامًا إذا أدّى إلى حصول الضرر لأحد الطرفين أو كليهما، ومثلوا لذلك بعدم القدرة على الوطء، والمرض؛ قال العلامة الدسوقي المالكي في "حاشيته على الشرح الكبير" (2/ 215، ط. دار الفكر): [قوله: (إلا أن يؤدي إلى حرام)؛ كأن يضر بالمرأة لعدم قدرته على الوطء، أو لعدم النفقة، أو التكسب من حرام، أو تأخير الصلاة عن أوقاتها لاشتغاله بتحصيل نفقتها. قوله: (ما لم يُؤَدِّ إلى حرامٍ، وإلا حَرُم)، علم مما قاله أنّ الراغب له تارة يكون واجبًا عليه، وتارة يكون مندوبًا، وتارة يكون حرامًا عليه، وأما غير الراغب له فهو إما مكروهٌ في حقه، أو حرامٌ، أو مباحٌ، أو مندوبٌ] اهـ.
كما نص الفقهاء على أنه إذا تيقن أحد الزوجين الجورَ حرُم النكاح؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 7، ط. دار الفكر): [قوله: (فإن تيقنه) أي تيقن الجور حَرُمَ؛ لأن النكاح إنما شرع لمصلحة تحصين النفس، وتحصيل الثواب، وبالجور يأثم ويرتكب المحرمات فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد] اهـ.
وزواج الطرف المصاب بهذا المرض من طرفٍ سليم لم يحصل على لقاحه: هو سبيلٌ محققٌ للإصابة عن طريق العلاقة الزوجية، ولذلك يكون حرامًا، بل صاحِبُهُ مرتكبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه قد يؤدي بذلك إلى قتل الطرف الآخر بهذا المرض.
ويجب على الطرف المصاب أن يتوجه إلى العلاج عند المختصين حتى يصل إلى الشفاء التام، فإذا ثبت شفاؤه جاز له الزواج حينئذٍ ممن لم يُطَعَّم ضد المرض. أما إذا لم يكن الزواج سبيلًا للإصابة بالمرض؛ بأن يكون الطرف السليم قد حصل على التطعيم واللقاح ضده: فإن الزواج يكون عند ذلك جائزًا؛ لأن العلاقة الجنسية فيه لا علاقة لها بانتقال عَدْوَاهُ والإصابة به.
وإذا كان الزواج قائمًا بالفعل فهو زواجٌ صحيح؛ لأن حرمة الزواج لا تعني بطلانه إذا حصل، غير أنه إذا كان الطرف السليم غيرَ مُطَعَّمٍ ضد المرض فيجب شرعًا على الطرف المصاب أن يمتنع من العلاقة الجنسية معه حتى يحصل على الشفاء التام، ثم تُستَأْنَف العلاقة بينهما، بخلاف ما إذا كان الطرف السليم حاصلًا على اللقاح ضد المرض؛ فإنه لا مانع حينئذٍ من العلاقة بينهما؛ لعدم الخوف من التعرض للإصابة بالمرض حينئذٍ كما قرره الأطباء المختصون.
ويجب على الطرف المصاب بهذا المرض -رجلًا كان أم امرأةً- أن يخبر الطرف السليم الذي يريد الزواج به؛ لخطورة مضاعفات المرض.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

(دار الإفتاء المصرية)

اضافة تعليق