الناكصون على أعقابهم.. سبل النجاة من السقوط

الثلاثاء، 19 يونيو 2018 01:38 م
الناكصون على أعقابهم 0

 

لاشك أن أعظم الضلال.. هو من خرج من الحق إلى الباطل، ومن فارق الهداية إلى الغواية؛ ذلك أن الله تعالى يمن عليه بالهداية، ويدله على طريقها، فيعرض عن هداية الله تعالى ويرفضها. ولخطورة هذا المسلك، ووقوع بعض الناس فيه؛ حذر الله تعالى منه، وأمر نبيه في القرآن أن يتلو علينا نبأ رجل آتاه الله تعالى علما فانسلخ منه، واستبدل بالهداية غواية، وبالحق باطلا، وبالهدى ضلالا، نعوذ بالله تعالى من ذلك ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 175- 176].
 
وليست العبرة في تعيين هذا الرجل المنسلخ من آيات الله تعالى، ولا معرفة زمنه، ولا في أي أمة كان؛ لأنه أنموذج يتكرر، ولكن العبرة في معرفة ما آتاه الله تعالى من نعمة العلم والإيمان، ثم كفره بما آتاه الله تعالى من نعمة، وتنكره لها، وإعراضه عنها، فجعله الله تعالى مثلا يتلى في القرآن؛ ليعلم قراء القرآن حاله فيعتبروا بها، ويتفكروا فيها، ويحذروا منها، ويلوذوا بالله العظيم يسألوه الثبات على الحق المبين؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه سبحانه يقلبها كيف يشاء كما جاء في الحديث الصحيح؛ ولذا كُرر الأمر بذكر قصة هذا المنسلخ في الآيات، في أولها ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ وفي خاتمتها ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
 
وكثير من الناس لا يفطنون إلا للعقوبات المادية التي تصيب الإنسان في جسده أو ولده أو ماله أو وظيفته، ولا يفطنون للعقوبات التي تصيب الدين، ومصيبة الدين أعظم المصائب وأدومها، وأفدحها خسارة، وأشدها عذابا؛ لأن عقوبة الانسلاخ من الدين دائمة، وأما المصاب في الدنيا فهو مؤقت، ويألفه المصاب بعد زمن، ويتغلب عليه، وربما عوضه.
 
وهذا المنسلخ المذكور في الآيات عوقب على انسلاخه بالمصيبة في دينه، وذلك بتسلط الشيطان عليه بالإغواء ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ولهذا نظائر كثيرة في القرآن الكريم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]. فأصبح هذا المنسلخ من آيات الله تعالى من الغاوين بعد أن كان من الراشدين المرشدين؛ وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه؛ فاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واهدنا صراطك المستقيم، وثبتنا على الحق المبين إلى أن يأتينا اليقين.
 
وما أنعم الله تعالى على هذا المنسلخ بآياته إلا ليرفعه بها، ويعزه بسببها، ويعلي ذكره بالتزامها، فينال بها ذكرا حسنا في الدنيا، وقربا من الله تعالى في الآخرة، ولكنه انسلخ منها، وأخلد إلى الأرض، وركب هواه، وقدم دنياه على أخراه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، فشبهه الله تعالى بالكلب اللاهث في كل أحواله ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: «كلّ شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش أو علّة، خلا الكلب، فإنّه يلهث في حال الكَلال وحال الرّاحة، وحال الصحة والمرض، وحال الريّ والعطش. فضربه الله مثلا لمن كذّب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضالّ، وإن لم تعظه فهو ضالّ، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، أو تركته على حاله أيضا لهث». وهذا يدل على أن من ترك شيئا من دينه لأجل شيء من الدنيا عوقب باللهاث خلف ما طلب، وأهان نفسه وأذلها للخلق، والواقع يشهد لذلك في طلاب الدنيا، وفيمن قدموا دينهم قرابين لدنياهم؛ فإنهم يعيشون في ذلة لا يرضاها العقلاء، وتراهم يلهثون خلف الدنيا لهث الكلاب، ولن ينالوا منها إلا ما كتب لهم، فتعس من تاجر بشيء من دينه، لن يفلح أبدا.
 
وقديما قال السلف: «إن صِغَارَ الْهِمَمِ تَرَاهُمْ كَاللَّاهِثِ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَالتَّعَبِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَعْنُونَ بِهِ وَيَحْمِلُونَ هَمَّهُ حَقِيرًا لَا يُتْعِبُ وَلَا يُعْيِي، وَلَا تَرَى أَحَدًا مِنْهُمْ رَاضِيًا بِمَا أَصَابَهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَأَهْوَائِهِ، بَلْ يَزِيدُ طَمَعًا وَتَعَبًا كُلَّمَا أَصَابَ سِعَةً وَقَضَى أَرَبًا... وَكَأَيِّنٍ مِنْ إِنْسَانٍ حُرِمَ الِانْتِفَاعَ بِمَوَاهِبِهِ الْفِطْرِيَّةِ بِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ إِيَّاهَا فِيمَا يَرْفَعُهُ دَرَجَاتٍ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَكَأَيِّنٍ مِنْ إِنْسَانٍ اسْتَعْمَلَ حَوَاسَّهُ فِي الضُّرِّ، وَعَقْلَهَ وَذَكَاءَهُ فِي الشَّرِّ».
 
وختام المنسلخ من آيات الله تعالى، المنتكس على عقبيه يظهر في قوله سبحانه ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 177]. أَيْ: سَاءَ مَثَلُهُمْ أَنْ شُبِّهُوا بِالْكِلَابِ الَّتِي لَا هِمَّةَ لَهَا إِلَّا فِي تَحْصِيلِ أَكْلَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَيِّز الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَأَقْبَلَ عَلَى شَهْوَةِ نَفْسِهِ، وَاتَّبَعْ هَوَاهُ، صَارَ شَبِيهًا بِالْكَلْبِ، وَبِئْسَ الْمَثَلُ مَثَلُهُ؛ وَلِهَذَا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ» رواه البخاري.

اضافة تعليق