تأملات في تعقيب القرآن على غزوة أحد

الثلاثاء، 19 يونيو 2018 10:30 ص
تأملات في تعقيب القرآن على غزوة أحد

 
كانت غزوة أحد غزوة عظيمة في أحداثها ومجرياتها، عجيبة في آياتها ومعجزاتها، شديدة في ضرائها وابتلاءاتها، غزيرة في عبرها ودروسها.
 
وقعت في شوال من السنة الثالثة من الهجرة، بعد عام واحد من غزوة بدر التي غَشِيَ المشركين فيها ما غشيهم من هزيمة جيشهم، وقتل سادتهم، وذهاب هيبتهم؛ فأجْمَعُوا أمرهم، وجمعوا حلفاءهم، وأعدوا عُدَّتهم، وعزموا على غزو المسلمين في المدينة، والثأر لما أصابهم في غزوة بدر الكبرى؛ فجرت أحداث عظام في هذه الغزوة المباركة، وظهر صدق الإيمان والتضحية والفداء، وابتلي المسلمون ابتلاءً عظيمًا؛ حتى رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إليه المشركون، ونالوا منه، وكانت الصاعقة الكبرى ما أشيع من قتله عليه الصلاة والسلام ولكن الله تعالى حَفِظَ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم وثبت قلوب المؤمنين، وتلك من أعظم النعم، وأكبر الآيات والمعجزات التي زخرت بها هذه الغزوة.
 
ورد ذكر هذه الغزوة في سورة آل عمران من الآية (137) قوله تعالى: " قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"، وحتى الآية (179) قوله تعالى: " مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ".
 
ولنا في هذه الغزوة ثلاث وقفات:


الأولى: في قوله تعالى "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ..."

لما أشيع مقتل رسول الله ص في الغزوة قعد بعض المسلمين عن القتال، وقالوا: لم نقاتل بعد رسول الله؟ حتى قام فيهم أنس بن النضر قائلا: قوموا فموتوا على ما مات عليه نبيكم.

فنزلت الآية يعتب الله تعالى فيها على المسلمين أن يجعلوا انتماءهم لشخص لا للمبدأ وللدين، فالأشخاص راحلون ولو كانوا رسلا، أما المبادئ فهي باقية.. فيسير في الاتجاه الخاطئ من يرتبط بالأشخاص دون المبادئ، ومن يجعل منشطه ومكرهه انتصارا لأشخاص لا لمبادئ.


وقد نفع هذا التصحيح للمسار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم موته الحقيقي حين رفض معظمهم فكرة موت النبي ص ومن هؤلاء عمر وقد أذهلته المصيبة عن رؤية الحقيقة، حتى وقف أبو بكر يقول: من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم ثلا هذه الآية فسكنت المدينة وانتبهت لما ألقى على عاتقها من إكمال المسيرة في طريق الدين (المبدأ).
 
الثانية: في قوله تعالى "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ".


وهذه الآية ترد على المنافقين الذين شمتوا في موت المسلمين، وظنوا أن موتهم هذا هباء، فنزلت هذه الآية وغيرها تؤكد للمسلمين فضل من قتل في سبيل الحق وترفعه لمنزلة الشهيد "ويتخذ منكم شهداء".


- وهذا تصحيح لخطأ قد يتصوره البعض من أن موت المسلم إذا لم يكن له أثر مادي تنبهر به عيوننا أو لم يتبعه تمكين مباشر للمسلمين في الأرض فهو هباء.. والحق غير هذا، فقد يكون له أثر لا نراه يكون هو أساس التمكين
- لهذا عدّ رسول الله ص سيد الشهداء حمزة ورجل قام لسلطان جائر فأمره ونهاه فقتله، فهو في عين الناس "راح بلاش" لكنه عند الله سيد الشهداء.
 
الثالثة: في قوله تعالى: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

فالمسلمون بعد أن أصابتهم المصيبة يتساءلون: ما سبب هذا ومن أين أتانا الهزيمة بعد النصر وكيف نهزم ونحن المسلمون وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟


والجواب بمنتهى البساطة: "قل هو من عند أنفسكم" .. بسبب مخالفتكم أمر الرسول صلى اله عليه وسلم.

فالنصر وإن كان من عند الله لكنه مرتبط بأسباب لا بد منها، ولا يكفي أن يكون المسلم صالحا لينتصر الإسلام بل لابد من جهد يبذله وأسباب يسعى فيها

وأعجب لمّ يسعى الناس في أسباب الرزق وهم يعلمون أنه من الله ثم يقعدون عن أسباب النصر بحجة أنه من الله!


= فالقاعدة أن هذا الدين لا ينتصر بمعجزات بل بأسباب، فإذا لم نكن لها أهل وتولينا فالقانون " وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ".

اضافة تعليق