مفاهيم مغلوطة تقتل الإبداع

الإثنين، 18 يونيو 2018 01:49 م
اسليدر-د-عمرو

الإبداع سر الحضارة، والمبدعون هم الذين يقودون حركة الأمم ونهضتها، لذا فهم يحظون بالتقدير والمكانة بين شعوبهم، بخلاف النظرة الخاطئة لهم في المجتمعات الإسلامية، حيث يربط كثير من الناس بين مفهوم البدعة، وكل أمر مستحدث يعتقدون أنه مخالف للشرع والدين، حتى صار بنظرهم كل شيء بدعة، سواءً في سلوك المسلمين، أو في عاداتهم، "حرام"، لأنهم يرون أن أي عمل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فهو بدعة وضلالة لايجوز فعلها، وكأنهم يصورون الإسلام على أنه ضد الحياة، أو أنه يرفض تطوراتها، ولايساير متغيراتها.

عقلية فارقة

فلابد من عقلية فارقة تفرّق بين عصر النبي، وحياته صلى الله عليه وسلم، لأن من يريد أن يعيش عصره الآن، فإنه يوقف إرادة الله في التغيير  "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ"، يوقف التطور "يقلب الليل والنهار"، أما حياة النبي فهي منهج لجميع الناس، يقول: "خيركم خيركم لأهله"، "أفضل الناس إيمانًا أحسنهم أخلاقًا"،" إن الله جميل يحب الجمال"، حين قيل له أفلا تدعو على من أذوك يا رسول الله فقال: "إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة للعالمين.. إنما أنا رحمة مهداة".

حياة النبي كلها تطور، وبالتالي فإن المقصود بالبدعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، هو كل ما خالَف أُصول الشريعة، أو أمرًا قطعيًا في الدين، مثل أن تصلي الظهر خمسًا من باب الزيادة للثواب مثلاً؛ فهذا مخالف لأصول الشريعة أو أن تصلي صلاة الجمعة يوم الثلاثاء فهذا مخالف لأمر قطعي في الدين، وهكذا يصغر مفهوم البدعة جدًا فلا تصادم الحياة.   

يقول أبو حامد الغزالي: "ليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع"، أما ابن تيمية فيقول عن البدعة: "ما رآه المسلمون مصلحة إن كان بسبب أمر حدث بعد النبي فها هنا يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه"، وقال النووي: "وليس كل ما لم يكن في زمنه (النبي) يسمي بدعة، لكن منها: ما يكون حسنًا، ومنها: ما يكون بخلاف ذلك". 

ويقول ابن الأثير: "البدعة بدعتان؛ بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كان في خلاف ما أمر به رسول الله فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه فهو في حيز المدح". وقال: "والبدعة الحسنة في الحقيقة سنة، وعلى هذا التأويل يحمل حديث "كل محدثة بدعة" على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة".

هكذا تعامل النبي:

 

وقد ثبت أن النبي ترك الخطبة بجوار جذع شجرة وخطب على المنبر، ولم يفهم الصحابة أن الخطابة على المنبر بدعة ولا حرام، فقاموا بصنع منبر له صلى الله عليه وسلم، وما كانوا لهم أن يقدموا على فعل حرمه النبي، فعلم أنهم كانوا لا يرون الترك بدعة.

ويقول رفاعة بن رافع: "كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعـة قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: "ربنا ولك الحمـد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، فلما انصرف قال: "من المتكلم". قال: "أنا"، قال "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أولاً". ولم يعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على المسلك فلم يقل له مثلا: "أحسنت ولا تعد" أو نهاه عن إنشاء أدعية أخرى في الصلاة. 

ولم يفهم بلال مؤذن الرسول من ترك النبي لصلاة ركعتين بعد الوضوء عدم جواز الصلاة، بل قام بذلك، ولم يخبر النبي، ولما سأله قائلًا: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة". قال: "ما عملت عملاً أرجى عندي، أنى لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلى". قال أبو عبد الله: "دف نعليك يعنى تحريك" (أخرجه البخاري).

ثم إن النبي جعل ثوابًا لمن يقدم شيئًا جديدًا غير مسبوق للخير والإصلاح، فقال النبي: مَن سنّ سُنّة حسَنة كان له أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها، وقال فـي ضدّه: مَن سَنَّ سُنّة سيئة كان علـيه وِزْرها ووِزْر مَن عَمِلَ بها. 

التراويح وجمع القرآن


ومن هذا النوع قول عمر: "نعمتِ البِدْعةُ هذه"، حيث جمع الناس على صلاة التراويح وسَماها بدعة ومدَحَها؛ مع أن النبي، لـم يَسُنَّها لهم، وإِنما صلاَّها لَـيالِـيَ ثم تركها ولم يحافظ علـيها ولا جمع الناس لها، ولا كانت فـي زمن أَبـي بكر؛ وإِنما عمر جمع الناسَ علـيها وندَبهم إِلـيها فبهذا سماها بدعة، وعلـى هذا التأْويل يُفهم معنى الـحديث : كلُّ مُـحْدَثةٍ بدعة .. أنه يقصد ما خالَف أُصولَ الشريعة".

وزاد عثمان بن عفان أذانًا ثانيًا يوم الجمعة، قال السائب بن يزيد الثقفي: "أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان، حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر". كما جمع عثمان القرآن على الترتيب الذي عليه المسلمون حتى اليوم، ونقط يحيى بن يعمر المصاحف، ووضع أبي الأسود الدؤلي قواعد النحو بعد استشارة علي بن أبي طالب.

لقد كان الصحابة والتابعون أصحاب عقليات فارقة بين البدعة المذمومة وبين الإبداع للخير والإصلاح فأبدعوا علوم كثيرة لم تكن على عهد النبي، مثل "علم العقيدة"، أو "علم الكلام"، أو "علم التوحيد"، أو "أصول الدين"، وهكذا تتعدد أسماؤه لشرفـه وعلوه، وأنشأوا "علم الفقه"، ثم بعد ذلك أنشأوا "الكامن" في علم الفقه، وأنشأوا "أصول الفقه"، وأيضًا "علم الأخلاق" الذي سمي بـ "التصوف"، والجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، والرواية، والدراية، كل ذلك كان في القرون الأربعة الأولى. 

فيجب أن نتأسى بهم وأن نكون أوسع عقلاً وأرحب صدرًا مثلهم، وأن ننظر إلى مفهوم البدعة من منظورهم، بأنها لا تعني بالضرورة مخالفة الشريعة، أو ثوابت الإسلام، فهناك الكثير من الأمور الحسنة التي يجب أن نتغافل عنها، ونعمل من خلالها على أن نفيد ديننا ودنيانا.

اضافة تعليق