عمر بن عبد العزيز.. "أصلح ما بينه وبين الله فأصلح الله ما بين الذئب والغنم"

الإثنين، 18 يونيو 2018 01:19 م
ss-140130-unlikely-friends-wolf-goat.ss_full


اشتهرت خلافة عمر بن عبد العزيز بأنها الفترة التي عم العدل والرخاء في أرجاء البلاد الإسلامية حتى أن الرجل كان ليخرج الزكاة من أمواله فيبحث عن الفقراء فلا يجد من في حاجة إليها.. جاءوه مرّة بالزكاة فقال أنفقوها على الفقراء والمساكين فقالوا ما عاد في أمة الإسلام فقراء ولا مساكين، قال فجهزوا بها الجيوش، قالوا جيش الإسلام يجوب الدنيا، قال فزوجوا بها الشباب, فقالوا من كان يريد الزواج زوج، وبقي مال فقال اقضوا الديون على المدينين، قضوه وبقي المال, فقال انظروا في أهل الكتاب (المسيحيين واليهود) من كان عليه دين فسددوا عنه ففعلوا وبقي المال، فقال أعطوا أهل العلم فأعطوهم وبقي مال، فقال اشتروا به حباً وانثروه على رؤوس الجبال, لتأكل الطير من خير المسلمين.

 
بويع عمر بالخلافة من سليمان بن عبد الملك وهو ابن عمه، فتسلم الخلافة سنة 99 هـ، ومكث فيها سنتين وخمسة أشهر، ملأ الأرض فيها عدلاً ورد المظالم إلى أصحابها، وسلك فيها مسلك الخلفاء الراشدين، وأحيا الله به السنن التي تركت، وقمع به البدع التي انتشرت.


لما تلقى عمر بن عبد العزيز خبر توليته، انصدع قلبه من البكاء، وهو في الصف الأول، فأقامه العلماء على المنبر وهو يرتجف، ويرتعد، وأوقفوه أمام الناس، فأتى ليتحدث فما استطاع أن يتكلم من البكاء، قال لهم: بيعتكم بأعناقكم، لا أريد خلافتكم، فبكى الناس وقالوا: لا نريد إلا أنت، فاندفع يتحدث، فذكر الموت، وذكر لقاء الله، وذكر مصارع الغابرين، حتى بكى من بالمسجد.

وعن عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز: أنها دخلت عليه فإذا هو في مصلاه، سائلة دموعه، فقالت: يا أمير المؤمنين، ألشئ حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلّم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عن خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.


كان شديد المحاسبة لنفسه وَرِعًا تقيًا، كان يقسم تفاحًا أفاءه الله على المسلمين، فتناول ابن له صغير تفاحة، فأخذها من فمه، وأوجع فمه فبكى الطفل الصغير، وذهب لأمه فاطمة، فأرسلت من أشترى له تفاحًا. وعاد إلى البيت وما عاد معه بتفاحة واحدة، فقال لفاطمة: في البيت تفاح؟ إني أَشُمُ الرائحة، قالت: لا، وقصت عليه القصة –قصة ابنه- فَذَرفت عيناه الدموع وقال: والله لقد انتزعتها من فم ابني وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من فيْء المسلمين قبل أن يُقَسَّم الفَيءُ.


وذات مرة جمع عمر جماعة من الفقهاء والعلماء وقال لهم: "إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين : إن ذلك أمرًا كان في غير ولايتك، وإن وزر هذه المظالم على من غصبها"، فلم يرتح عمر إلى قولهم وأخذ بقول جماعة آخرين منهم ابنه عبد الملك الذي قال له: أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها، وإنك إن لم تفعل كنت شريكا للذين أخذوها ظلما. فاستراح عمر لهذا الرأي وقام يرد المظالم إلى أهلها.


وفي أحد المواقف كتب إليه واليه على خراسان واسمه الجراح بن عبد الله يقول: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم والسلام.

وبينما عمر بن عبد العزيز يطوف ذات يوم في أسواق "حمص" ليتفقد الباعة ويتعرَّف على الأسعار، إذ قام إليه رجلٌ عليه بُرْدان أحمران قطريان وقال:

يا أمير المؤمنين..

لقد سمعت أنك أمرت من كان مظلومًا أن يأتيك .

فقال: نعم .

فقال: وها قد أتاك رجلٌ مظلومٌ بعيدُ الدَّار .

فقال عمر: وأين أهلك ؟

فقال الرجل: في "عدن "

فقال عُمر: والله، إن مكانك من مكان عمر لبعيد .

ثم نزل عن دابّته، ووقف أمامه وقال : ما ظلامتُك ؟

فقال: ضيعةٌ لي وثب عليها رجلٌ ممن يلوذون بك وانتزعها مني .

فكتب عمر كتابًا إلى "عروة بن محمد " واليه على "عدن" يقول فيه: أمَّا بعد: فإذا جاءك كتابي هذا فاسمع بيَّنة حامله، فإن ثبت له حقٌّ، فادفع إليه حقَّهُ .

ثم ختم الكتاب وناوله للرجل .

فلما هم الرجل بالانصراف قال له عمر: على رسلك.. إنك قد أتيتنا من بلدٍ بعيدٍ .. ولا ريب في أنك استنفدت في رحلتك هذه زادًا كثيرًا ..

وأخلقت ثيابًا جديدة .

ولعلَّه نفقت لك دابةٌ.

ثم حسب ذلك كله، فبلغ أحد عشر دينارًا، فدفعها إليه وقال: أشع ذلك في الناس حتى لا يتثاقل مظلومٌ عن رفع ظُلامتِهِ بعد اليوم مهما كان بعيد الدَّار.

ويروى أن رجلا رأى راعيًا يرعى غنمه ووجد في قطيع الغنم ثلاثين كلباً.. فقال الرجل: يا راعي الغنم أترعى غنمك في ثلاثين كلباً، يكفي كلب أو كلبان. فقال الراعي: يا سيدي هذه ليست كلاب بل ذئاب، قال الرجل: عجباً ذئاباً ترعى مع أغنامكم.. فقال الراعي: منذ أن تولى ابن عبد العزيز يقصد (عمر بن عبد العزيز) ترعى لنا الذئاب أغنامنا.. فذهب الرجل يبشر عمر بن عبد العزيز، وروى له ما رأى، فقال عمر: (نحن قوم أصلحنا ما بيننا وبين الله فأصلح الله ما بين الذئاب والغنم).

وفي يوم من الأيام قال رجل: في البادية لابد أن عمر قد مات.. فتعجبوا فقالوا له: هل قال لك أحد ذلك.. قال الرجل: لا، فقالوا له إذن كيف عرفت، قال: لقد هجم الذئب على الغنم.. وحينها بالفعل كان قد توفى عمر.

اضافة تعليق