موت الفجأة.. أَسَف على الفاجر وراحة للمؤمن

الإثنين، 18 يونيو 2018 12:57 م
2017_7_21_22_38_15_130


{كل نفس ذائقة الموت} (آل عمران: 185)، هذه هي الحقيقة الأبدية والقاعدة الكلية التي ليس فيها استثناء، فالموت باب سيدخله الجميع ويشربون كأسه، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى لأحدٍ الخلد في الدنيا، قال تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ"، فكل أجلٍ مكتوب، وكل عمرٍ محسوب، قال تعالى: "وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]، والعاقل من يلتمس نعيماً لا موت فيه، إلا أن ما يترك أثرا كبيرًا في النفس هو الموت الفجأة بدون مرض أو وصول المرء لسن كبير، لأنه يأخذ دائمًا من كنا نحسبهم سيظلون بيننا عمرًا أطول.

 
يقول النبي الكريم "صلى الله عليه وسلم": (إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة)، [رواه الطبراني].


في هذا الحديث تتجلى معجزة علمية أثبتتها حقائق طبية حالية لا تقبل الجدل، وهذه المعجزة تشهد للنبي الأعظم عليه الصلاة والسلام أنه رسول من عند الله لا ينطق عن الهوى، بل كل كلمة نطق بها هي وحي من الله تعالى.

 
فهيئة الأمم المتحدة تطالعنا كل عام بإحصائية جديدة عن عدد الذين يموتون بنتيجة السكتات الدماغية والقلبية، وهذه الأعداد في تزايد مستمر، وتقول لنا هذه الإحصاءات: إن أمراض القلب هي السبب الأول لحالات الوفاة في العالم هذه الأيام.

 
وتوضح الإحصائيات أن ظاهرة الموت المفاجئ، حديثة الظهور نسبيًا، وتعتبر أول دراسة للموت المفاجئ هي دراسة فرامنجهام framingham heart study، والتي بدأت عام 1948، وتقول إن نصف الذين شاركوا في هذه الدراسة قد ماتوا الآن، وقد تم دراسة حالات موتهم بدقة كبيرة، ويعرف فرامنجهام الموت المفاجئ أنه الموت الذي يتم في مدة أقصاها ساعة بعد بدء الأعراض.

 
وقد تبين بأن معظم حالات الموت المفاجئ هي نتيجة أمراض الشريان التاجي للقلب، ويسمى هذا النوع من أنواع الموت sudden cardiac death واختصارًا scd. وبينت دراسته أن الرجال في عمر 45-75 عامًا والذين ماتوا بسبب أمراض القلب قد مات 60 بالمائة منهم موتًا مفاجئًا دون سابق إنذار.

كما بينت الدراسة أن سبب الموت القلبي المفاجئ هو الاضطراب المفاجئ والذي قد يتولد بنتيجة عدم الاستقرار النفسي. وأنه مهما كانت العناية مشددة ولو تم إسعاف المريض بكل الوسائل، إلا أن هذا النوع من الموت يتمكن من النجاح في مهمته.

وإذا أجرينا مقارنةً بين الكيفيّة التي كان الناس يموتون فيها سابقاً، وبين ما آل إليه الحال في أيامنا هذه، لوجدنا مفارقةً تسترعي الانتباه، ففي السابق كان الموت يحل بالناس لأسباب الحرب: طعنةٍ برمح، أو ضربةٍ بسيف، أو رميةٍ بسهم، أو نزفٍ لجراح، وكذلك لأسبابٍ مرضيّة والتاريخ يذكر لنا كيف كان الناس يعانون من أمراضٍ مزمنةٍ تلزمهم الفراش أوقاتاً متطاولةً، حتى ينتهي بهم المطاف إلى مغادرة الدنيا، وثمة أسبابٌ أخرى تتفق مع ما سبق في سمةٍ واحدة: أن الموت كان يحلّ بصاحبه شيئاً فشيئاً، وقلما نسمع عن حلول الموت فجأة وبغتة. 


بينما في العصر الحاضر، نلحظ تزايد حالات الموت الفجائي الذي لا يُمهل صاحبه، ونستطيع القول أن مظاهر وأسباباً جديدة قد برزت إلى الوجود، وكلها ترتبط بظاهرة الموت الفجائي وتسبّبه.


إذن، فالموت فجأةً هو أمرٌ طاريءٌ على تاريخ البشريّة، صحيحٌ أنه كانت له صورٌ في السابق، إلا أنه لم يكن بمثل هذه الكثافة التي نراها هذه الأيام، فهل لهذه الظاهرة المعاصرة علاقةٌ بالحديث عن أشراط الساعة وعلاماتها؟

بالعودة إلى السُنة نجد أن تزايد حالات الموت الفجائي علامةٌ أشار إليها النبي –صلى الله عليه وسلم- وبيّنها ووضّحها تمام الوضوح، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة)، رواه الطبراني وحسّنه الألباني.


فقوله –صلى الله عليه وسلم-: (أن يظهر موت الفجأة) يدل على أن هذه الحالة كانت موجودةً في السابق وإنْ بشيءٍ من القلّة، فلم تكن ظاهرة عامّة ولكن حالات معدودة يمكن وصفها بالندرة، ثم يؤول الحال –بمقتضى الحديث السابق- إلى بروز هذه الظاهرة وتزايد حالاتها وتناميها بحيث يلحظها الجميع.

وعن عبيد بن خالد السلمي رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: (موت الفجأة أخذةُ أَسَف) رواه أحمد وأبو داود.

إذا غضضنا الطرف عن الاختلاف اليسير في مسألة وقف الحديث ورفعه في ظلّ وجود عدد من العلماء الذين يصحّحونه، فإن وصف النبي –صلى الله عليه وسلم- لموت الفجأة بأنه: (أخذةُ أَسَف) قد تُفهم بأنها حالةٌ تستوجب الذمّ، فالأسف من حيث الأصل اللغوي هو الغضب، ومنه قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} (الزخرف: 55).

وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: هل موت الفجأة بحد ذاته مذموم؟ أو أنه –كما يُقال- أمارةٌ على سوء الخاتمة؟؟ في الحقيقة أن هذه المسألة بحاجةٍ إلى بيانٍ وتفصيل، فالنصوص الشرعيّة من حيث الأصل لا تدلّ على أن الموت السريع دون معالجة السكرات التي يراها الناس في المحتضرين ذات دلالةٍ مذمومة بحيث يُظن بصاحبها ظنّ السوء، ليس الأمر كذلك، وهذا ما يشير إليه كلام العلماء وله دلائل من الشرع، فقد بوّب الإمام البخاري باباً في صحيحه وعنونه بـــ: " باب موت الفجأة البغتة" وأورد بعده حديث عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن أمي افتلتتْ نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم) ، والمقصود بالافتلات : الموت بغتةً.

والفيصل في المسألة أن الذمّ في موت الفجأة لا من حيث الأصل، ولكن من حيث ما يترتّب عليه، فميّت الفجأة لا تتاح له الفرصة في أن يُلقّن الشهادة، لكن بعض العلماء يقولون إن المحافظين على الصلاة يموتون على الشهادة لأنه قبل موته يكون أدى الصلاة المكتوبة عليه وفيها يشهد أن لا إله إلا الله، ولو مات بعدها بفترة مات على الشهادة، فقد أُثر عن عبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهما قولهما: "موت الفجأة.. هو أَسَف على الفاجر، وراحة للمؤمن".

هذا هو موت الفجأة، وانسلال الروح على حين غرّة، فلا مقدّمات ولا علامات، ولا أمارات ولا دلالات، ولا إمهال ولا إخطار، فلْيحذر كلّ الحذر المتهاونون الغافلون، الذين غرّهم طول الأمل، وغرّهم بالله الغرور، ولينتبهْ المسوّفون للتوبة، والمنشغلون بحطام الدنيا ومتاعها، ولا بد من المحاسبة الجادة للنفس والعودة إلى الله تعالى، قبل أن يفاجئنا الموت، ولا ينفع حينها الندم، قال الله تعالى: { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين* أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين* أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} (الزمر:56-58).

اضافة تعليق