نفسك عزيزة عليه..

من القرآن والسنة.. هكذا صان الإسلام النفس وحرم الدماء

الإثنين، 18 يونيو 2018 12:00 م
manontop



حفظت الشريعة الإسلامية بأحكامها النفس البشرية، وجعلت ذلك ضرورة من ضروراتها، وفي ذلك قال الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) المائدة/32.
 

بل قال النبي إن دم المسلم أشد حرمة عند الله من أن تهدم الكعبة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) [رواه مسلم].

 

وانطلاقاً من هذه النصوص الشرعية؛ فقد حرم الإسلام الاعتداء على النفس البشرية بالقتل، واعتبر ذلك من أعظم الذنوب وأفدحها وأكثرها خطراً على الأفراد والمجتمعات؛ نظراً لما تثيره هذه الجريمة من رعبٍ وفزع وإشغال للرأي العام.

 

لذلك لم يتصوّر الإسلام أن يُقدم المسلم على قتل أخيه إلا بطريق الخطأ، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) النساء/92.

 
ولعظم هذه الجريمة، فقد حمّل الله تعالى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه وزراً من وزر كل مَن قتل إنساناً ظلماً إلى آخر هذه الحياة الدنيا، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه كان أوّل مَن سنَّ القتل) .

 
ومع انتشار ظاهرة القتل العمد التي تطالعنا بها وسائل الإعلام كل صباح، حتى أصبح الإنسان يلقى مصرعه على يد أقرب الناس إليه، وجب على المسلم أن يتعرف خطورة الدم الحرام التي تستوجب القصاص في بعض الأحيان .

 
وفي هذا الإطار يقول الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، إنه لا وجود لنص تشريعي يبيح القتل والعدوان على الغير دون مبرر، فحفظ النفس مهمة مقدسة تقع على عاتق الشخص مهما اختلفت ديانته.


وأضاف خلال فتواه أن حق الدفاع الشرعي مقرر في كل الشرائع السماوية والأعراف الدولية وغير الدولية، ولكن في حالة الحرب، أي ما يعرف بموطن الدفاع، وليس الاعتداء، فلا يوجد تشريع أرضي أو سماوي يبيح للإنسان أن يقتل آخر، مضيفا: "كل النفس الإنسانية معصومة".


وسائل الشريعة لحفظ النفس
 

اعتبرت الشريعة الإسلامية حفظ النفس الإنسانية المعصومة من أهم مقاصد الإسلام، وأحد الضروريات الخمس التي لا بد منها لقيام مصالح الناس الدينية والدنيوية.

  كما أنه لا بد من التأكيد أيضا أن المقصود بالنفس المعصومة في الإسلام: تلك النفس التي عُنيت الشريعة الإسلامية بحفظها بسبب الإسلام أو الجزية أو العهد أو الأمان، كما أن الوسائل والتشريعات الإسلامية التي حفظ الإسلام من خلالها النفس الإنسانية من الأذى والهلاك، منها ما هو وقائي يهدف إلى منع وقوع الأذى بالنفس المعصومة، ومنها ما هو علاجي يهدف إلى علاج آثار الجناية على هذه النفس، بما يعود على الأنفس الأخرى التي ما زالت على قيد الحياة بالحفظ.

 وسائل الشريعة الوقائية لحفظ النفس المعصومة

 
تعتبر هذه الوسائل هي الأكثر في الشريعة الإسلامية، وذلك سدا لجميع الطرق التي قد تتسبب في إلحاق الأذى بالنفس المعصومة، بدءا بالإضرار بها وانتهاء بإزهاقها وإتلافها، ومن أهم هذه الوسائل والتدابير:

1- تحريم الجناية على النفس المعصومة: حيث وردت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة الصحيحة الشديدة الوعيد لكل من يعتدي على نفس الغير المعصومة بالقتل، وهو ما يزجر كل من يحدث نفسه بارتكاب مثل هذا الفعل المشين.

ولعل من أشد الآيات وعيدا لمن يرتكب هذه الجريمة قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء/93.

قال ابن كثير: هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} الفرقان/68.

وإذا انتقلنا إلى السنة النبوية الشريفة، فإن الأحاديث الصحيحة التي تحذر وتنذر من اقتراف جريمة إزهاق النفس المعصومة أكثر من أن تذكر في هذا المقام، فبينما اعتبرت بعض الأحاديث القتل بغير حق من الموبقات وأكبر الكبائر، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ...).

وأشارت أحاديث أخرى إلى هول وعظم جريمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وذلك من خلال التأكيد على أن الفسحة في الدين محصورة بمن لم يصب دما حراما، فقد ورد في الحديث الصحيح عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (4)

2- تحريم الانتحار والوعيد الشديد على ذلك: وفي ذلك حفظ للنفس من اعتداء صاحبها، حيث اعتبر الإسلام أن واهب الحياة سبحانه هو وحده من يملك النفس البشرية، وأن الإنسان لا يملك التصرف بحياته بالإزهاق والإتلاف.

جاء في الحديث الصحيح عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) (8)

3- تحريم حمل المسلم السلاح على أخيه والنهي عن الإشارة بالسلاح عليه: وذلك سدا للذريعة المفضية إلى القتل أو الجرح أو التخويف، ودفعا للفتنة المتوقعة من حمل المسلم السلاح على أخيه أو الاشارة به في وجهه.

فقد ورد في الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا).

 ولم يتوقف حرص الإسلام على حفظ النفس المعصومة على ما سبق من الوسائل الوقائية والعلاجية، بل تعداها إلى غير ذلك مما يعتبر رخصة ومنحة إلهية في بعض الحالات الاستثنائية.

فقد أباح الإسلام النطق بكلمة الكفر عند الإكراه بالقتل، مع اشتراط أن يبقى القلب مطمئنا بالإيمان، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ...} النحل/106

كما أن من مظاهر حرص الشريعة الإسلامية على النفوس، ووسائلها في صيانتها من الإتلاف، منحها - من خلال - الاستتابة فرصة للمرتد عن الإسلام للحياة، حرصا منه على حياته التي أحلتها ردته، وذلك بمنحه ثلاثة أيام للتوبة قبل قتله، وهو مذهب جمهور الفقهاء والعلماء، قال ابن بطال: " اختلف العلماء فى استتابة المرتد، فروى عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلى وابن مسعود أنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، وهو قول أكثر العلماء" .

اضافة تعليق