حضارة وادي السند المنسية.. الإنسان كما تحب أن تراه

الإثنين، 18 يونيو 2018 01:57 ص
حضارة وادي السند المنسية

تعد حضارة وادي السند من كبرى الحضارات التي مرت في التاريخ الإنساني ، وأعظمهم حيث بدأت في الازدهار والبناء منذ حوالي 4500 عام ، وتعرف أودية نهر السند اليوم بباكستان والشمال الغربي من الهند، ويطلق عليها بعض المؤرخون حضارة هارابا، التي تطورت الحضارة بفضل أنشطة الرعي والزراعة ، وبعض الجماعات بها عملوا بالتجارة .
اتحد عدد من السكان قبل 2500 عام قبل الميلاد وبدؤوا في بناء المدن بشكل دقيق جدًا ، وكان هذا الوادي الشاسع تغمره مياه الفيضان من نهري هاكرا الذي عُرف باسم غاغار وساراسفاتي والسند ، فقد كانت المياه تنساب من الجهة الشرقية لنهر السند ، كانت حضارة وادي السند من الحضارات التي طورت الأنظمة المعيارية للمقايس والأوزان ، ونظام الكتابة التي تعتمد على الصور والرسوم التي تمثل الكلمات .
في أوائل القرن التاسع عشر اكتشف عدد من العلماء الإنجليز عددًا من الأعمال الفنية القديمة تحت رواب ترابية ضخمة ، ولكنهم بدؤوا الحفريات في أوائل القرن العشرين ، حيث اكتشفوا بقايا المدن التي شُيدت وتم العثور على مئات القطع الأثرية والآثار وبقايا المدن وحمامات الاستحمام .
فقد خطط الناس بتلك الحضارة المدن بدقة بالغة من الطوب المصنوع من الطين ، وشيدوا منصات لحماية المدن من الفيضانات الموسمية ، وكانت بعض المنازل من الطوب المخفف بالشمس ، وكانت أغلب المنازل تتكون من طابقين وكان لمعظم المنازل أماكن لاستحمام تم مدها بمياه الآبار عن طريق نظام خاص .
كان هنالك مباني أخرى لتخزين الحبوب ، قد مارس أهل حضارة السند التجارة على نطاق واسع وكذلك الزراعة والتعدين ، تاجر التجار بالقطن والحبوب والأخشاب وأما عن وسائل الموصلات فكانت من الحيوانات ، كما أنهم انشئوا المراكب النهرية والمركبات التي تجرها الثيران ، أيضًا انتجت تلك الحضارة عددًا من الزخارف واستخدموا النحاس والبرونز لصناعة الآلات وصنعوا المرايا واستخدموا الصدف والعاج في صناعى الحلي وتطعيم الأثاث .
برع الحرفيون في صناعة الحُلي من الذهب والفضة والأحجار الكريمة ، أما عن الطقوس الدينية فقد صنعوا الحيوانات والتماثيل الحجرية للعبادة ولقيام الطقوس الدينية ، وكانت تستخدم الحجارة أختامًا مربعة الشكل من الفخار لأغراض إرسال الرسائل للممالك الأخرى وقيام العهود والمواثيق ، وكانوا يدفون الموتى في توابيت خشبية وأخرى مصنوعة من الفخار .
ولكن بدأت تلك الحضارة في التفكك عام 1500 قبل الميلاد ، لحضارات أصغر سُميت بثقافات هارابا ، يطلق عليها عدد من المؤرخون ثقافات ما بعد هارابا وكان السبب الرئيس لحدوث ذلك التفكك ، هو جفاف مياه نهر هارابا ، ظهور عدد من التغيرات التي طرأت على مجرى نهر السند ، والتي بدورها أدت لظهور الاضطرابات في كل من الحركة الزراعية والتجارية وحركة الرعي ، وأدت لتدهور النظام الاجتماعي ثم انهارت الحضارة لحضارات وثقافات أصغر .

الحضارة المغبونة

للوهلة الأولى، تبدو حضارة السند مغبونة مقارنة بالنجمين الحضاريين الآخرين: مصر وبلاد ما بين النهرين، وهو ما يمكن إرجاعه إلى وضعية هذه الحضارة من حيث الإنجاز الفني والمعماري والثقافي والفكري مقارنة بالحضارتين الأخريين، وإلى مدى انكشاف هذه الحضارة وحاضنتها الاجتماعية والثقافية والسياسية للعالم، مقارنة بالحضارتين الأخريين.
فإنجاز هذه الحضارة، أو ما بقي منه، أو ما تكشف منه على الأقل، لا يضاهي إنجاز حضارة مصر وبلاد ما بين النهرين فنيًا ومعماريًا وثقافيًا وفكريًا، والأهم من ذلك أن الكتابة السندية لم تفك رموزها حتى الآن بعد نحو قرن شهد أكثر من مئة محاولة فاشلة لفك مغالقها.
مرد الغبن الواقع على حضارة السند نوعان: أول قهري لا دخل للحضارة فيه، وآخر ناتج من الأول، لكنه يفصح عن أنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تقف ندًا لحضارة مصر وبلاد ما بين النهرين. أما السبب الخارج عن سيطرة هذه الحضارة وصنّاعها، فهو أنها بقيت منسية تمامًا ولا يعرف عنها شيئًا تقريبًا، خلافًا لحضارتي مصر وبلاد ما بين النهرين اللتين كانتا على مر التاريخ محط أنظار الشعوب الوارثة لهما والغزاة والرحالة الأجانب ومثار إعجابهم ودهشتهم، وإن لم تفك رموز كتابتهما وتكتشف أسرار الحياة فيهما إلا منذ نحو قرنين (الكتابة المسمارية السومرية، 1815) وأكثر قليلًا من قرنين (الكتابة الهيروغليفية المصرية، 1799).
حتى بعدما اكتشفت حضارة السند في أوائل القرن العشرين، ظلت الحاضنة الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية لهذه الحضارة طلاسم، وذلك في المقام الأول بسبب عدم النجاح حتى الآن في فك رموز كتابتها التي يفترض أنها تحوي هذه الأفكار.

المكون الصلب

ربما كان شعب السند أقدم في الاستقرار من شعبي مصر وبلاد ما بين النهرين القديمتين، إذ ترجع أقدم المستوطنات الواقعة في مهرغره ببلوشستان إلى العام 7000 ق.م. وكذلك غطت حضارتهم مساحة أوسع كثيرًا من مساحة مصر أو بلاد ما بين النهرين.
وعلى الرغم من اتساع رقعة انتشاره، ربما أوجد شعب السند نوعًا من الوحدة السياسية، تجلت في تماثل حضارته ومنتوجاتها الفنية والمادية، وبنوا بيوتًا وبنايات عامة من الطوب اللبن والطوب المحروق، وشيّدوا نظامًا للصرف الصحي لم يظهر له ند حتى زمن الإمبراطورية الرومانية، وزرعوا الشعير والقمح والبقوليات، ودجنوا الأغنام والماعز وجاموس الماء، وصنعوا الأختام الحجرية والخرز والأساور والسفن واستخدموها في تجارة المسافات الطويلة التي وصلت حتى الخليج العربي والمدن النهرية السومرية.
وتشير شبكة الطرق المخططة جيدًا، ونظام الصرف الدقيق، إلى أن ساكني مدينة حضارة السند القديمة “موهينجو دارو” كانوا مَهرة في التخطيط العمراني، فضلًا عن تبجيلهم للمياه والتحكُّم فيها، إلا أن هُوية من سكنوا تلك المدينة خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد لا تزال لغزًا محيرًا.
يظهر ثراء المدينة ومكانتها بشكل واضح في القطع الأثرية والتحف الفنية المصنوعة من العاج واللازورد والعقيق وحبات الذهب، فضلًا عن مبانيها المصنوعة من الطوب.
  في تلك المدينة توجد بركة من الماء تُعرف بـ“الحوض العظيم” موجودة فوق تل من التراب محاط بجدران من الطوب، ويعدُّ ذلك البناء أكثر ما يشبه شكل المعبد في مدينة “موهينجو دارو” كلها.. ويشير “بوسيهل” إلى أن ذلك يوحي بوجود إيديولوجية أو مذهب لسكانها قائم على النظافة، كما انتشرت الآبار في جميع أنحاء المدينة، وكان لدى كل منزل ـ تقريبًا ـ منطقة للاستحمام، ونظامٌ للصرف الصحي.
  قال عنها “غريغوري بوسيهل” الخبير في حضارة السند، والذي يعمل بجامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا الأمريكية ـ إنها “مجهولة الهُوية إلى حد بعيد”؛ فالمدينة تفتقر إلى القصور الفخمة والمعابد والآثار، وليس هناك أيضًا مقر مركزي للحكومة، أو أي دليل على وجود ملك أو ملكة.. فالبساطة والنظام والنظافة هي ما كان مفضلًا وقتها على ما يبدو، كما كانت الأواني الفخارية والأحجار الكريمة والأدوات النُّحاسية كلها ذات حجم واحد.. أما الأختام والأوزان فتشير إلى نظام تجاري كان خاضعًا لسيطرة مُحكمة.

اضافة تعليق