هكذا تواجه فساد القلب

الأحد، 17 يونيو 2018 02:01 م
القلب

استقامة القلب.. من منا لا يسعى لذلك.. فإذا استقام القلب استقامت الجوارح، وإنما يستقيم القلب بأمرين:
1- تقديم ما يحبه الله تعالى على ما تحبه النفس.
2- تعظيم الأمر والنهي وهو الشريعة، وذلك ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي وهو الله عز وجل.
 
فالعبد إذا أطاع الله وابتعَد عن معصيته، صلَح قلبُه واستقام، وإذا صلح قلبُه صلَحت الجوارح تبعًا له، بخلاف العكس، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا وإن في الجسد مُضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسد كُلُّه، وإذا فسَدت فسد الجسد كُلُّه، ألا وهي القلب))؛ متفق عليه.
 
وإذا صلَح القلب وجَد العبد المؤمن حلاوةً ولذةً في عبادته، وأُنسًا في نفسه، وانشراحًا في صدره، أما إذا عصى وارتكب الذنوب، فإنه يُعاقَب، وقد تكون عقوبتُه مرضَ قلبه وقسوته؛ والقلب إذا مرِض اشتَبه عليه الحقُّ، بل ربما رأى الباطل حقًّا والحق باطلًا، فهلَك؛ قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: إذا تراكَمت المعاصي على القلوب، سدَّت عنها طُرقَ الخير؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا ﴾ [المطففين: 13، 14]؛ أي: ليست أساطيرَ الأوَّلين: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 13، 14]؛ أي: تراكَم واجتمَع عليها ما كانوا يكسِبون من الأعمال السيئة، حتى رأوا أعظمَ كلامٍ أساطيرَ الأولين.
 
فينبغي للعبد المؤمن أن يهتمَّ بإصلاح قلبه واستقامته، ومتى شعَر بقسوة في قلبه، بادر إلى علاجه قبل أن يَستفحلَ الداء، ثم يصعُب الدواء؛ قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في [باب: 4/ 128]: ينبغي للإنسان إذا رأى من قلبه قسوةً أن يبادر بالعلاج قبل أن يتحجَّر، ويَعجِزَ عن علاجه.
 
والعناية بعمل القلب لابد أن يكون أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعملُ الجوارح علامةٌ ظاهرة، لكنَّ عملَ القلب هو الذي عليه المدار؛ ولهذا أخبَر النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوارج وهو يخاطب الصحابة، فيقول: ((يَحقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم))؛ أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة، لكن قلوبهم خالية - والعياذ بالله - لا يتجاوز الإسلامُ حناجرَهم، ((يَمرُقون من الإسلام كما يَمرُقُ السهمُ مِن الرَّميَّة))، فعلينا أيها الإخوة أن نعتني بالقلوب وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتِّجاهاتها؛ قال بكر بن عبدالله المزني: ما فضَلهم أبو بكر بفضل صومٍ، ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقَر في قلبه.
 
والإيمان إذا وقَر في القلب، حمَل الإنسانَ على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يَحمِل الإنسان على إصلاح قلبِه.
 
فعلينا أن نعتني بقلوبنا وإصلاحها، وتخليصها مِن شوائب الشِّرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزَل الله على رسوله، وكراهة الصحابة رضي الله عنهم، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه، فنسأل الله تعالى أن يُصلحَ قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالَكم، وأن يَهَبَ لنا منه رحمةً إنه هو الوهاب.
 
فالإنسان في نفسه كمائنُ لا يَعلَمُها إلا الله، فاحذَر هذه الكمائنَ، والكمائن كثيرة؛ فقد تكون شِركًا بالله - نسأل الله العافية - وقد تكون رياءً؛ فالإنسان يحبُّ الرياء، وأن يراه الناس على عملٍ صالح، وقد تكون حسدًا لعباد الله وهو مِن خصال اليهود، وقد تكون كراهةَ أن يَنتصر دينُ الله عز وجل، أو أن ينتصر أولياءُ الله، وقد تكون بإيثار الدنيا على الآخرة، وقد تكون بإيثار الأولاد والأزواج على الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9]، وقد تكون بكراهة الحق وتثاقُلِه، وقد تكون بالعداوة والبَغضاء للمؤمنين، وغير ذلك مما لا يُحصى!
 
المهم أن هناك كمائنَ في القلب خفيَّةً، تحتاج إلى تَمحيصٍ، وإلى غَسْل القلب من ظاهره وباطنه؛ فاحذَر هذه الكمائن، وكُلما وجَدتَ في قلبك شيئًا من هذه الكمائن، فافزَع إلى الله عز وجل، فلا مَلجأَ ولا مَنجا إلا إلى الله عز وجل.
 
أسباب فساد القلب وقسوته:
القلب لا يزيغ إلا لسببٍ، يكون في القلب عِرقٌ خبيثٌ خفيٌّ، هو يرى أنه مُهتدٍ وماشٍ على الهداية، لكن في قلبه هذا الشيء الذي يَظَلُّ يزيد، حتى يزيغ قلبه نهائيًّا؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5].
 
وقد يكون في قلب الإنسان حسدٌ يَحسُدُ الإنسانَ حتى في إقامة دين الله عز وجل، يعني لو حسدتَ إنسانًا على إقامة دين الله عز وجل، وتعليم عباد الله عز وجل معناه أنك لا تتمنى أن الشرع لا يقوم، وأن الناس لا يعلمون، فهذا أمر خطير جدًّا، والحسد داءٌ عظيمٌ، وهو من أخلاق اليهود؛ قال تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 54]،هذه النقطة قد تكون في القلب والإنسان لا يَشعُر بها، وتكون سببًا لضلاله النهائي وزَيغه.
 
فتغيُّرات القلب تغيُّرات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل مِن كُفرٍ إلى إيمان، أو مِن إيمان إلى كفرٍ في لحظة، نسأل الله الثبات!
 
تغيُّر القلب يكون على حسب ما يُحيطُ بالإنسان، وأكثر ما يُوجبُ تغيُّر القلب إلى الفساد: حبُّ الدنيا، وهذه آفةٌ، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن نعلم أنها متاعُ الغرور، وأن الإنسان إذا سُرَّ يومًا أُسيءَ يومًا آخرَ.
 
وقسوةُ القلب أسبابُها كثيرة؛ منها: الإعراض عن ذِكر الله، وكون الإنسان لا يذكرُ الله إلا قليلًا، تَجدُهُ حتى في الصلاة المفروضة لا يَذكُرُ الله بقلبه، يقرأُ، ويركع، ويَسجُد، ويُسبحُ، ويدعو والقلب غافلٌ، فهذه من أسباب القسوة.
 
ومن أسباب قسوة القلب أيضًا: كثرةُ المِزاح واللعب والتلهِّي بالأصدقاء والأهل؛ ولهذا قال بعض الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام: إننا إذا كُنَّا عندك، فإننا نَخشَعُ حتى كأننا نُشاهد الجنة والنار، وإذا ذهَبنا عافَسنا الأهل والأولاد، نسينا، قال: ((ساعةً وساعةً)).
 
ومن أسباب قسوة القلب أيضًا: الانكبابُ على الدنيا وتفضيلها على الآخرة، وألا يكون همُّ الإنسان إلا جمعَ المال.. يقول الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ [المائدة: 13]، فالمعاصي سببٌ لقسوة القلب، وإن قسوة القلب التي حدَثت اليوم في كثير من المسلمين، لهي من أعظم العقوبات، ولكننا لا نشعُر بها.

اضافة تعليق