أسرار الله تعالى في خلقه.. "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"

الأحد، 17 يونيو 2018 01:49 م
أسرار الله تعالى في خلقه

القدر أمر عجيب، وهو دليل قدرة الله تعالى فمن أنكره وقع في إثم عظيم، وهو سر الله تعالى في خلقه كما قال أئمة الهدى، عد النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به ركن الإيمان السادس، "وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ".
دل القدر على علم الله تعالى للغيب والشهادة، وللممكن والمحال،  وللموجود والمعدوم، ولما كان وما يكون، ولا شيء محال أمام قدرته سبحانه وتعالى، ولكن مشيئته جعلته محالا؛ فهو بكل شيء عليم، وقد أحاط بكل شيء علما، ولا يكون شيء إلا بعلمه ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد: 9] هذا في الموجود، وفي المعدوم قال سبحانه ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28] فهذا علمه بأهل النار وهم لا يردون إلى الدنيا، فهو خبر بما لا يقع، فسبحان العليم الخبير.. والخلق كل الخلق لعجزهم لا يعلمون الغيب ولو كان موجودا، ولا يتصورون العلم به؛ لأنه فوق مدركاتهم، فكيف إذن بالمعدوم وبالمحال؟!
وهذا القدر المحكم العجيب قد كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ قبل الخلق، فكل شيء مدون ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الإسراء: 58]، ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]، ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70].
وأحداث الكون، وأفعال العباد ما كبر منها أو صغر مسجلة في اللوح المحفوظ قبل وقوعها ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ [القمر: 52-53] أي: مسطر في اللوح المحفوظ ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61] وفي حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ"رواه مسلم.
وما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ فهو ثابت لا يجري عليه محو ولا تغيير، وإنما المحو والتغيير في صحف الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 39].
والله تعالى شاء لهذا المقدر المكتوب أن يكون، ولو لم يشأه سبحانه لما كان؛ لأن كل شيء تحت مشيئته عز وجل ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] وفي القرآن تقرير أن علة عدم وقوع ما لم يقع ولن يقع هي أن الله تعالى لم يشأه ولو شاءه لوقع؛ ففي شرك المشركين ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ﴾ [الأنعام: 107] وفي أفعالهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ [الأنعام: 112]، وفي اختلاف كلمة الناس ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [المائدة: 48] وفي اقتتالهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]. فالله تعالى قادر على فعل ذلك الذي لم يقع لكنه لم يشأه سبحانه.
ومشيئة الخلق تحت مشيئة الله تبارك وتعالى ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29].
وهذا المقدور الذي كان إنما كان بسبب إيجاد الله تعالى له وخلقه إياه، والخلق من أفعال الرب سبحانه، وكل مخلوق فالله سبحانه هو خالقه ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2] ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16] ولذا كان من صفاته سبحانه: الخلاق وهو المبالغة في الخلق ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [الحجر: 86] وهذه الآية تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلاق بكونه خلاقا إلا وهو عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء؛ إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه أن يخلقه، وكثيرا ما يقترن الخلق بالعلم ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [يس: 79] ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].
فما من أمر وقع، ولا مخلوق خلق، إلا والله تعالى قد علم ذلك قبل وقوعه، وكتبه منذ الأزل، وشاءه سبحانه، وأجراه على وفق علمه ومشيئته؛ ولذا كان من أسمائه الحسنى: القادر والقدير والمقتدر، وكانت القدرة من صفاته العلى.
وإن شئتم أن تمتلئ قلوبكم بالإيمان واليقين وتعظيم الله تعالى والتسليم فتفكروا فيما يجري في الأرض من أحداث ومقادير.. في ضخامتها، وكثرتها، وتنوعها، في البر والبحر، على الإنسان والحيوان والنبات والجماد، ثم قارنوا ذلك بقول الله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]. وقَالَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ"رواه مسلم.
إن الإيمان بالقدر راحة في الدنيا والآخرة.. به الخلاص من الشرك والإلحاد والنجاة من الحيرة والاضطراب.. ولقد جُنَّ قديما وحديثا أولو عقول بفقدهم الإيمان بالقدر، وألحد في البحث عنه كثير من أذكياء البشر؛ لأنهم ما عرفوا قدرة الله تعالى في أفعاله، ولا أدركوا حكمته سبحانه في أقداره، وأشغلوا عقولهم في كشف أسراره في خلقه، ومحاولة معرفة كيفيته وكنهه، وأنى لهم ذلك؟!

اضافة تعليق