أحسن الظن بالله.. "ما ظنُّك باثنَينِ اللهُ ثالثُهما"

السبت، 16 يونيو 2018 01:38 م
أحسن الظن بالله

حسن الظن بالله.. لاشك أن هذا الأمر يلخص رضاء العبد بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، والتوكّل عليه، ومن ثم فهو ركيزة مهمة من ركائز الإيمان، وأصل عظيم من أصول العقيدة الإسلامية.. من حققه واعتصم به نال السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أخل به أو فقده كان من أهل الشقاء، وهو أمر أوجبه الله تعالى علينا ورسوله فقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
قال تعالى في سورة الحاقة: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ*إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ*فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ*فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ*قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ*كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)؛ ومعنى قوله تعالى (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) أنّ العبد المؤمن إذا حمل كتابه بيمينه يقول: لقد اعتقدت يقيناً أن الله سيُحاسبني فأعددت لهذا اليوم بحسن الظن والعمل، فأنجاه الله من عذاب جهنم وأدخله الجنة.
وحسن الظن بالله ليس بالأمر السهل، وليس كذلك بالأمر الصعب، إنما ينبغي على المسلم أن يقوم ببعض الأمور حتى يصل إلى القدرة على إحسان الظن بالله، وأهمها: اجتناب المنكرات والآثام والمعاصي، والتوبة على ما اقترف من ذنوب وخطايا، وأيضًا الإقبال إلى الله بحسن العمل، والسعي لإدراك أعلى المنازل في الجنة، والثقة بأن الله سيدخله في جنّته ويُنجيه من عذابه.
يقول الله عزَّ وجلّ: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)؛ وفي هذه الآية إشارة إلى عقوبة من يسيء الظن بالله -سبحانه وتعالى- ولا يثق بقدرته عزّ وجلّ، وأن هؤلاء سيُعاقبهم الله يوم القيامة لا محالة، وأن من يُسيء الظنّ بالله إنما هو في الحقيقة يَتّهم الله في حكمه وحكمته وقدرته على الخلق ومُحاسبته لهم.
فإحسان الظن بالله تعالى، يمنح العبد ما يرجوه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده فقال له لا بأس طهور إن شاء الله قال قلت طهور كلا بل هي حمى تفور أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور فقال النبي صلى الله عليه وسلم فنعم إذن.
ولذا فإن معرفة المسلم بسعة رحمة مولاه عز وجلّ ويقينه الكامل بفضل الله العظيم على عباده يقوده إلى حسن الظن بربه، فهو القائل سبحانه: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).
جاء في الحديث القدسي: (إنَّ اللهَ جلَّ وعلا يقولُ: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي إنْ ظنَّ خيرًا فله وإنْ ظنَّ شرًّا فله)؛ فالله تعالى يفعل بالعبد ما يظنّه العبد بالله، وفي الحديث إشارة -لا تخفى- في الحث على إحسان الظنّ بالله تعالى؛ فالمسلم يظنّ بالله خيراً في كلّ طاعاته وقُرباته؛ فيوقن بإجابة الدّعاء وقبول العبادة ومغفرة الذنب.
ويقول الله عزَّ وجلّ: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)؛ فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يَنهى عباده أن يظنون به غير الحق، وأن من يكون ذلك حاله فإنه مُتّصف بإحدى صفات الجاهليّة.
والنبي -صلى الله عليه وسلم، حث المسلمين على حسن الظن بالله تعالى، ومن ذلك قوله عليه السلام: (لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ بالله عزَّ وجلَّ)، والمقصود ألا يغفل العبد المسلم عن رجائه بالله وحسن ظنه به سبحانه حتى لا يفاجئه الموت وهو على حال من الغفلة وقطع الرجاء.
وإدراك المسلم أن حسن الظن بالله يجعله يطمئن إلى ركن الله؛ فهو سبحانه لا يضيع رجاء عباده، ولا ينسى أملهم وثقتهم برحمته وفضله؛ فيكون حسن الظن بالله سبباً في انشراح صدورهم واطمئنان قلوبهم، قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، ولمّا كان التوكل ناتجاً عن حسن الظن بالله كان ذلك سبباً في أن يطمئن العبد إلى أن الله سيكفيه ما أهمه وأغمه.
قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)؛ فقد وصف الله سبحانه وتعالى الذين يُحسنون الظن به أنهم خاشعين في صلاتهم، وأنهم الأقدر على الصبر على ما يُصيبهم من المصائب، وهم الأقدر على القيام بالصلاة وما يُرافقها من خشوع وصبرٍ عليه وتحملٍ له.
وعندما يعلم العبد المذنب بأن ربه عزّ وجل غافر الذنب وقابل التوب، وأنه سبحانه يعفو عن السيئات مهما بلغت إذا صدقت توبة عبده، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وأنّه تعالى يغفر جميع الذنوب إلا الإشراك بالله، فإنّ العبد المذنب يُقبلُ على التوبة والإنابة لله تعالى وهو يحسن الظن بمولاه أنه قد غفر ذنبه وتقبّل توبته.
وتتأصل ثقة المسلم بالله سبحانه ويزداد قلبه تعلّقاً بمولاه خاصة وهو يحس بالألم والحسرة على حال المسلمين وضعفهم وهوانهم على أعدائهم عندما يستقرئ سيرة النبي -صلى الله عليه وسلّم- وسيرة صحابته الكرام، وعندما يتدبّر فيها المواقف المشرقة التي تظهر حُسن ظنّهم بالله تعالى رغم كل الآلام التي واجهها المسلمون في مكة المكرمة بداية الدعوة الإسلامية، وفي رحلة الهجرة النبوية -على سبيل المثال- حيث تجلّى مفهوم الثقة وحسن الظن بالله تعالى، عندما علّم النبي -صلى الله عليه وسلّم- أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- والأمة من بعده درساً مهماً في حسن الظن بالله تعالى عندما أحسّ أبو بكر بخطر كفار قريش الذين يُلاحقونهم؛ فقال له -عليه السلام-: (ما ظنُّك باثنَينِ اللهُ ثالثُهما).
وأيضًا يوم غزوة الخندق (الأحزاب) في السنة الخامسة من الهجرة، حيث تحزّبت قريش وبعض القبائل العربية واليهود والمنافقين على حرب المسلمين في المدينة المنورة، يومها كان حسن الظن بالله وثقتهم بوعد الله سبباً مهماً في نصر المسلمين من حيث لم يحتسبوا، قال تعالى: (كَتَبَ اللَّـهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وغيرها الكثير من المواقف التي تُعين المسلم على الثقة برحمة الله تعالى ونصره.
ولابد من التطابق بين حُسن الظن بالله والعمل، فلا شك أن العبد المسلم ينظر إلى حُسن الظن بالله تعالى على أنه معين له على عبادة الله سبحانه؛ فحسن الظن بالله هو رجاء بالله يقود صاحبه للعمل الصالح ويشحذ همته للعبادة والتطلع لما عند الله تعالى من فضل، ومخطئٌ من اعتقد أن حسن الظن بالله يغني عن العمل والعبادة، ومن اعتقد ذلك فقد أساء لنفسه وأساء الظن والأدب مع الله سبحانه؛ فالذي يجاهر بالمعاصي ولا يستقيم على فعل الطاعات فهو عاجز لا يدرك حقيقةَ حُسن الظن بالله.
وفي تأكيد هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: (وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ اعْتَمَدُوا عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَكَرَمِهِ، وَضَيَّعُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَنَسُوا أَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، وَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْعَفْوِ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ فَهُوَ كَالْمُعَانِدِ).
ولذلك يجدر بالعبد أن يوثّق صلته بالله تعالى، وأنْ يدرب نفسه على حسن الظن بمولاه عز وجلّ بكل ما يرجوه ويؤمله من خيري الدنيا والآخرة، موقناً حقاً أنّه سبحانه معه، يدبر أمره، وينير دربه، ويبارك عمله، ويدخر له الخير عند لقائه سبحانه وتعالى.

اضافة تعليق