عبدالله بن عباس.. حبر الأمة وترجمان القرآن

الجمعة، 15 يونيو 2018 01:39 م
عبد الله بن عمر

خلال أعوام حصار المسلمين في شِعب بن أبي طالب، والتي وصلت حد أن أكل الصحابة جلد البعير كما روى سعد بن أبي وقاص، وُلِد حبر الأمة وترجمان القرآن عبدُالله بن عباس رضي الله عنهما، الطفل الذي سيعرفه المستقبل القريب فقيهَ العصر ومفتيَه، وإمام التفسير وبحره، وأعلم الناس في عصره، ومَن يُحتاج إلى علمه من بين المشرق والمغرب.
 
كان ذلك قبل عام الهجرة بثلاث سنين تقريبًا، ولما ولدته أمُّه جاء به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنَّكه برِيقِه، قال مجاهد: "فلا نعلم أحدًا حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه غيره".
 
إذًا فعبدالله مكيٌّ قرشي، وهو أيضًا هاشمي مطَّلبي، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ العباسِ بن عبدالمطلب.
 
وعلى الرغم من أن الطفل الوسيمَ، الأبيض، مديد القامة، صبيح الوجه، قد أهلَّ على الدنيا في هذه الآونة المتأخرة من الفترة المكية، وأيضًا هاجر النبي إلى المدينة وهو طفل في مكة لم ينتقل مع أبويه إلى دار الهجرة إلا سنة الفتح، فإنه كان كامل العقل، ذكي النفس، فوعى لَمَّا هاجر كثيرًا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وحدَّث عنه بجملة صالحة، وحفِظ المفصَّل في عهده، واستطاع أن يخلص له من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، هي الفترة التي لازم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد الفتح إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام.
 
وقد أسلم ابنُ عباس قبل هجرته إلى المدينة، فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعَفين؛ أنا من الولدان، وأمي من النساء، وأمه هي: أم الفضل، أخت أم المؤمنين ميمونة، هو وخالد بن الوليد ابنا خالة.
 
عن كريب أن ابن عباس قال: أتيت خالتي ميمونة، فقلت: إني أريد أن أبيت الليلة عندكم.
فقالت: وكيف تبيت، وإنما الفراش واحد؟
فقلت: لا حاجة لي به، أفرش إزاري، وأما الوساد، فأضع رأسي مع رؤوسكما من وراء الوسادة.
 
قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته ميمونة بما قال ابن عباس، فقال: "هذا شيخ قريش".
 
ماذا عسى يقول القائلون في هذه الهمة؟
كان ابن عباس رضي الله عنهما من رجال الكمال - فطرة وجبلَّة - وقد استطاع أن يصقل هذه الفطرة وينمِّيها بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة ملازمته، ويكأنه كان يُعوِّض ما فاته من صحبته، ويتزوَّد منه لمستقبل أيامه حين يفقده، وقد رزقه الله تعالى من العلم والفهم على قدر همته تلك وصدقه، ولنرقبه وهو في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته وخرج، فإذا به يجد إناءً به ماء، مغطى مجهزًا لوضوئه، فسأل ابنَ عباس: ((مَن صنع هذا؟))، قال: أنا، فقال: ((اللهم علِّمه تأويل القرآن، وفقِّهه في الدين))، وفي رواية أنه دعا له: أن يزيده الله فهمًا وعلمًا، ولعل هذه في مرة، وهذه في مرة، فقد جاء عنه أنه قال: مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسي، ودعا لي بالحكمة، وجاء عنه أيضًا: دعا لي رسول الله بالحكمة مرتين، والظاهر أن ذلك كله قد حدث معه في مرات كثيرة.
 
وقد أصاب ابنَ عباس دعوةُ النبي صلى الله عليه وسلم، فعلَّمه الله الحكمة وعلَّمه التأويل، وزاده فهمًا وعلمًا، ورزقه من لدنه علمًا، بل وفتح له مع ذلك أيضًا بصيرة، ولنشاهد موقفه ذاك، يقول:
 
"كنت مع أبي عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان كالمُعرِض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم ترَ ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: أوَ كان عنده أحد؟ قلت: نعم.
 
فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحد؟ فقال لي: ((هل رأيتَه يا عبدالله؟))، قال: نعم، قال: ((ذاك جبريل، فهو الذي شغلني عنك)).
 
والحق أن ابن عباس رضي الله عنهما أهلٌ لهذه المنقبة العظيمة، فمثله في علوِّ الهمة والحرص على العلم، وبذلِه الجهدَ والوقت في الطلب - حريٌّ أن ينال هذه الفضيلة، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفرْ عَنْكُمْ سَيئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29]، روى الحاكم وصحَّحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لَمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلتُ لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا بن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مَن ترى؟ فترك ذلك، وأقبلتُ على المسألة، فإن كان لَيبلُغُني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسَّد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا بن عم رسول الله، ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟! فأقول: أنا أحقُّ أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني.
 
مات ابن عباس سنة (68) بالطائف، وله من العمر (71) سنة تقريبًا، وقد حدث في موته آيةٌ من آيات الله، دلت على كرامته عند ربه ومنزلته عنده، لقد جاء طائر لم يرَ على خِلقته، فدخل نعش ابن عباسٍ، ثم لم يُر خارجًا منه، فلما دُفن، تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها: ﴿ يَا أَيتُهَا النفْسُ الْمُطْمَئِنةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبكِ رَاضِيَةً مَرْضِيةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنتِي ﴾[الفجر: 27 - 30].
 
هذا هو عبدالله بن عباس؛ رباني هذه الأمة ومفسِّرها الأعظم، وأفقه من مات ومن عاش.

اضافة تعليق