مواقف بكى فيها الصحابة

الخميس، 14 يونيو 2018 09:21 م
هكذا بكى الصحابة

الإنسان يضحك في هذه الدنيا، ويبكي لأسباب متعددة، فالمنافقون يضحكون في الدنيا لخداعهم المؤمنين، لكنهم سيبكون كثيرًا في الآخرة؛ قال الله جل جلاله: ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: 82]، ونحن هنا بصدد الحديث عن بكاء الصحابة.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ تعالى في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه))، وذكَر منهم: ((ورجلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عَيْناهُ))؛ متفق عليه.

ولقد بكى الصحابة رضوان الله عليهم في مواقفَ متعددةٍ؛ منها:
البكاء في الصلاة:
عن مطرف عن أبيه رضي الله عنهما قال: "رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وفي صَدْره أزِيزٌ كأزيزِ الرَّحَى من البكاء"؛ أخرجه أبو داود.

بكاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة:
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: ((مُرُوا أبا بكرٍ يُصلِّي بالناس))، قُلتُ: إن أبا بكر إذا قام في مقامِك لم يُسمِعِ الناسَ من البكاء، فمُرْ عُمَرَ فليُصَلِّ بالناس".

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: البكاء نوعان:
النوع الأول: مُتكلَّف، وهذا منهيٌّ عنه، كما يفعل بعض الأئمة، ولا سيَّما في قيام رمضان، تجده يتباكى، وإذا بكى صوَّت صوتًا عظيمًا؛ من أجل أن يُبكي الناس، وهذا غلط.

النوع الثاني: بكاء يأتي بطبيعة الحال بدون تكلُّفٍ، وهذا لا شكَّ أنه دليلٌ على رِقَّة القلب، والإنسان يجد ذلك من نفسه، فـأحيانًا يقرأ القرآن، فيجد رِقَّةً في قلبه وبكاءً، وأحيانًا يقرأ نفس الآيات التي قرأها فيما سبق ولا يتحرَّك قلبُه؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولا يكون على وتيرة واحدة.

البكاء عند قراءة القرآن الكريم:
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف ببكائه إذا الناس يضحكون، وقال الإمام الآجُرِّي رحمه الله: فأحب لمن قرأ القرآن أن يتحزَّن عند قراءته ويتباكى، ويخشع قلبُه.

قال الإمام النووي رحمه الله: "البكاء عند قراءة القرآن صفةُ العارفين، وشعارُ الصالحين؛ قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58]، قال العلامة السعدي رحمه الله: أي خضعوا لآيات الله وخشعوا لها، وأثَّرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب لهم البكاء والإنابة والسجود لربهم".

لقد كان خير البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي عند سماعه لآيات الله تُتلَى؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ عليَّ القرآن))، فقلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال: ((إني أُحِبُّ أن أسمعَه من غيري))، فقرأتُ عليه سورة النساء حتى إذا جئتُ إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، قال: ((حسبُك الآن)) فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تَذرفان"؛ متفق عليه.

بكاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند قراءته للقرآن الكريم:
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:" كان أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملِكُ عينيه إذا قرأ القرآن"؛ متفق عليه.

بكاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر:
عن عبدالله بن شداد رضي الله عنه قال: "سمِعتُ نشيج عمر وأنا في آخر الصَّفِّ في صلاة الصبح، وهو يقرأ: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]"؛ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف.

بكاء الصحابة إذا وُعِظُوا وذُكِّروا بالله:
عن العرباض بن سارية رضي الله قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبَل علينا فوعَظنا موعظةً بليغةً ذرَفت منها العيون، ووجِلتْ منها القلوب"؛ أخرجه أبو داود؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وقوله: "ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب": هذا الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر؛ كما قال جل جلاله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنفال: 2] وقال: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [الحج: 34، 35] وقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَق ﴾ [الحديد: 16] وقال: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 23]، وقال: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 83]، وعن أنس رضي الله عنه قال: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم خُطْبةً ما سمِعتُ مثلَها قَطُّ، قال: ((لو تعلمون ما أعْلَمُ لضَحِكْتُم قليلًا ولَبَكَيْتُم كثيرًا))، فغطَّى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين"؛ متفق عليه.

وعن أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس، فصلَّى الظهر، فلمَّا سلَّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر بين يديها أمورًا عِظامًا، ثم قال: ((من أحبَّ أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله، ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتُكم به في مقامي هذا))، قال أنس: فأكَثَرَ الناسُ البكاء"؛ متفق عليه.

بكاء عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبر:
عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبرٍ يبكي حتى يبلَّ لحيته، فقيل له: تذكَّر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيْسَرُ منه، وإن لم يَنْجُ منه فما بَعْدَه أشَدُّ منه))، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيْتُ منظرًا قطُّ إلا والقبر أفظعُ منه))؛ أخرجه ابن ماجه.

بكاء عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعد الموت:
لما حضرت عمرو بن العاص رضي الله عنه الوفاة بكى، فقال له ابنه عبدالله: "لِمَ تبكي؟ أجزعًا على الموت؟ فقال: لا والله، ولكن مما بَعْدُ"؛ أخرجه أحمد.

البكاء لفراق الصالحين ووجعهم:
بكاء أبي بكر رضي الله عنه لفراق رسول الله عليه الصلاة والسلام:
عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن عبدًا خيَّره اللهُ بين أن يُؤتِيَه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده))، فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله، فَدَيْناكَ بآبائنا وأُمَّهاتنا، قال: فعجِبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يُخبِرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عَبْدٍ خيَّره الله بين أن يُؤتيَه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، وهو يقول: فَدَيْناك بآبائنا وأُمَّهاتنا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.

وعن أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: "إنَّ أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يُكلِّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغشًّى بثوب حَبِرةٍ، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه فقبَّله، وبكى"؛ متفق عليه.

بكاء عبدالله بن عباس رضي الله عنه لاشتداد وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال ابن عباس رضي الله عنه: "يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى بَلَّ دمعُه الحصى...اشتدَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعُه"؛ أخرجه البخاري.

بكاء عبدالله بن مسعود عندما تذكَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنهما:
عن زيد بن وهب قال: "سأل عبدَالله رجلانِ عن آية، فقال لأحدهما: مَنْ أقرأك؟ قال: عمر، فقال للآخر: من أقرأك؟ قال: أبو حكيم، فقال: اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى حتى بَلَّ الحصى دموعُه، ثم قال: إن عمر رضي الله عنه كان للإسلام حِصْنًا حصينًا، يدخلون في الإسلام، ولا يخرجون، فلما أُصِيب عمر انثلم الحِصْنُ"؛ أخرجه الطبراني في الكبير.

بكاء فاطمة رضي الله عنها عندما أخبرها الرسول عليه الصلاة والسلام بموته:
عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فاطمة ابنته فسارَّها فبكَتْ، ثم سارَّها فضحِكَتْ، فقالت عائشة: ما هذا الذي سارَّكِ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فبكيْتِ، ثم سارَّكِ فضحِكْتِ؟ قالت: سارَّني فأخْبَرني بموته فبكيْتُ، ثم سارَّني فأخبرني أني أول مَن أتبعُه من أهله فضحِكْتُ"؛ متفق عليه.

بكاء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما طُعِنَ أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب:
لما طُعِن عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه قال: "يا عبدالله، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لستُ اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر أن يُدْفَنَ مع صاحبيه، فسلَّم وأستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدةً تبكي"؛ أخرجه البخاري.

اضافة تعليق