وقفات مع قرب نهاية رمضان

الخميس، 14 يونيو 2018 12:20 ص
وداع رمضان


مع قرب نهاية رمضان واستقبال أيام العيد يطيب لنا أن نقف عدة وقفات مع هذا الشهر العظيم الذي أوشك على الرحيل..نتذكر أيامه ولياليه المباركة.. نقف مع القرآن والصيام والقيام، كما ذكرها موقع الألوكة، فكم سعدنا فيه من الطاعة وأنست قلوبنا فيه بالقرب من الله .

رحيلك من الدنيا برحيل رمضان

تذكر - أيها الصائم - وأنت تودع شهرك سُرعةَ مُرور الأيام، وانقضاء الأعوام، فإنَّ في مُرورها وسُرعتها عبرة للمعتبرين، وعِظَة للمتعظين؛ قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]، فيا مَن ستودع رمضان، تَذَكَّر أنَّك ستودع الدُّنيا، فمَاذا قَدَّمْتَ لله؟ هل أنت مُستَعِد للقائه؟ إنَّ مَن عزم على سَفر، تَزَوَّد لسفره، وأعدَّ العدة، فهل أعْدَدْت زادًا لسفر الآخرة؟ فعجبًا لمن أعد للسفر القريب، ولم يعد للسفر البعيد؛ قال رجل للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أي المؤمنين أفضل؟ قال: ((أحسنهم خلقًا))، قال: فأيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس...))، قال حامد اللفاف: "مَن أكثر من ذكر الموت، أُكْرِمَ بثلاثةِ أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القوت، ونَشاط العبادة، ومَن نسي الموت، عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وتَرك الرِّضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة".

احذر أنْ تكونَ مثل بلعم بن باعوراء:

كان لسيدنا موسى - عليه السَّلام - صاحب من المقربين إليه، يُسَمَّى "بلعم بن باعوراء" عالم من علماء بني إسرائيل، وكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لا يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ، بلغ من ثقةِ موسى فيه أنه قال له: يا بلعم، اذهب إلى أهلِ مدين، فبلِّغهم رسالاتِ الله، فلما ذهب بلعم ووقف بينهم خطيبًا ومرشدًا، قال له أهلُ مدين: كم يُعطيك موسى من الأجر على تبليغ هذا الكلام؟ فقال بلعم: إنَّما أبلغه ابتغاءَ مرضاة الله، لا أتَقَاضى على ذلك أجرًا، فساوموه وجعلوا له مقدارًا من الذهب والفضة، وعندئذٍ فَكَّرَ الرجلُ قليلاً، وبعد ذلك عاد إليهم، وترك نبيَّ الله موسى، وانقلب على عَقِبَيْه، وانتظره موسى؛ ليعودَ إليه، ولكنه لم يعُد إلى موسى، فقد أكلته الدنيا، وباع آخرته بدنياه.

وعندئذٍ قَصَّ الله - عزَّ وجلَّ - قِصَّتَه على نبينا مُحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحذَّرنا من أن نكونَ مثله، فبعد أن ذاق حلاوةَ الإيمان، وآتاه الله آياته، انقلب على عقبيه، واشترى الضلالةَ بالهدى والعذابَ بالمغفرة، وانسلخ من آياتِ الله، كما تنسلخ الحية من جلدها، فقال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الأعراف: 175 - 176].

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على مَن ذاق حلاوةَ طاعة الله - تعالى - في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهرُ المبارك، انسلخ من آياتِ الله، ونقض غزله من بعد قُوَّة أنكاثًا.
الغيرة على المحارم
الغَيْرَة على المحارم من سِمَات المؤمنين، وكلما نَقَصَ الإيمانُ في قلب العبد، نَقَصَتْ وضَعُفت غَيْرتُه، وإذا ذهبت الغَيْرة بالكلية، صار ديوثًا، والدَّيُّوث هو الذي يرضى الخبثَ في أهله؛ ولذا استحَقَّ هذا الديوث أنْ يُحْرَم دخولَ الجنة؛ يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يدخل الجنة ديوث))؛ [رواه أحمد والنسائي].

ترى أحيانًا امرأةً شابة كاشفة لوجهها، متزينة بأَبْهى زينة، وقد أخرجت شيئًا من شعرها، وربَّما تعطرت، فتكون في قمة الزينة والفتنة، ويكون معها زوجها إما بسيارته، أو يَمشي معها في المجمَّعات أو الأسواق، وكأنَّه يقول للشباب: انظروا وتَمتَّعوا بالنظر إلى زوجتي وإلى أخواتي.

سبحان الله! تصل الدياثة إلى هذا الحد، إنَّ كثيرًا من الحيوانات والبهائم تغار على أنثاها من أنْ يَقْرَبَها حيوان آخر، وهذا الرجل يرضى بأنْ يتمتعَ بالنظر إلى أنثاه كلُّ مَن مَرَّ بذلك المكان.


تذكروا الأيتام يوم العيد:

إنَّ العيدَ على الأبواب، فإلى كل صائم وصائمة أُوَجِّه هذه العباراتِ؛ عَلَّ الله - عزَّ وجلَّ - أنْ يكتُبَها في ميزان الحسنات، أقول: وأنتم تشترون لأولادِكم وبناتكم ملابسَ العيد، وحلويات العيد، تَذَكَّروا ذلكم الطفلَ اليتيم، الذي ما وجد والدًا يشتري له ملابسَ العيد، ويبارك له بالعيد، ويُقبِّله، ويَمسح على رأسه، قُتل أبوه في جُرْح من جِرَاح هذه الأمة، وتذكروا تلكم الطِّفلة الصغيرة، حينما ترى بنات جيرانها يرتدين الجديد، وهي يتيمة الأب، إنَّها تخاطب فيكم مشاعِرَكم، وأحاسيسكم، إنَّها تقول لكم: أنا طفلة صغيرة، ومن حقي أنْ أفرحَ بهذا العيد، نعم، مِن حقي أن أرتدي ثوبًا حسنًا لائقًا بيوم العيد، من حقي أنْ أجِدَ الحنان والعطف، أريد قُبلةً من والدي، ومَسْحَةً حانية على رأسي، أريد حلوى، ولكن السؤال المرَّ الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن هو: أين والدي؟ أين والدي؟ أين والدي؟!! فيا أخي، ويا أختي، قَدِّموا لأنفسِكم، واجعلوا فرحةَ هذا العيد المبارك تعُمُّ أرجاءَ بلادنا وبيوتنا.
 فوداعا شهر الخير شهر البركة شهر المغفرة.. ولنجدد العزم على دوم الطاعة وتحقيق تقوى الله فيما نستقبله من أيام بعد رمضان.




اضافة تعليق