في مدرسة رمضان.. من تعلم؟

الثلاثاء، 12 يونيو 2018 02:34 م
NejoM-hand106

 
عندما كنا صغارًا لم نكن نعلم ما معنى أن يكون شهر رمضان مدرسة، وكان يقر في وجداننا أنها مدرسة حقيقة تشابه مدارسنا بالفعل، بالطبع لم نكن نعلم المجازي من الحقيقي في التعبير البلاغي، لكن الجملة برمتها قرت في وجداني، وصرت أبحث عنها كمعنى في أسئلة أوجهها لمن حولي، وكانت الإجابات تأتيني ـ غالبًا ـ صادمة من حيث الفهم أو استيعاب شهر رمضان في أهدافه ونتائجه.
 
لم أفهم مدرسة وفلسفة شهر رمضان إلا بعد أن التحقت بمدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقرأتُ سيرته، وتعرفتُ على عبادته في هذا الشهر الكريم، وكيف كان يحفز كل من حوله من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا التحفيز كان وراءه مغزى من ترسيخ معالم شهر الصوم في نفوس الجميع في عصره والعصور التالية.
 
لم يكن هناك تقصير من الصحابة رضوان الله عليهم حتى يطالبهم الرسول بالتوبة والاستغفار، كما كان يدعو صلى الله عليه وسلم للقاء هذا الشهر قبيل قدومه، ويزيد فيه من العبادات ما لم يكن يفعله في شهر غيره، وهو ما يعني أن لرمضان وقع خاص، ومذاق خاص في وجدان هذه الأمة، ولهذا نبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
 
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ".
 
بل ينبههم صلى الله عليه وسلم إلى أن أبواب هذا الشهر تبدأ بالعمل الجاد والتتلمذ فيه والتعبد بكل جدية من الليلة الأولى منه دون توانٍ، ذلك أن أبواب شهر رمضان حين تفتح ستفتح معها بالتبعية أبواب الجنة، وأن الملائك ستكون في كل مكان، وفي كل ركن من أركان المساجد، ومجالس الذكر والقرآن، بعد أن خلت الأرض من الشياطين ومردة الجن الذين صُفِّدوا وحُبِسوا كي لا يعكروا أجواء الصفاء الإيماني لهذا الشهر:
 
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِى مُنَادٍ: يَا بَاغِىَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ".
 
من خصائص مدرسة رمضان أن الأمر في التعلم من مناهجها لا يدور بين الاستحباب والواجب، بل هو على سبيل الفرض بالأمر الوارد في النص الإلهي من محكم التنزيل، والتي توجب الصوم لغاية عظمى وهي بلوغ التقوى، يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
 
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ما علاقة الصوم بالتقوى؟.. ولو لم يكن بينهما علاقة ظاهرة لما ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم، وإن خفيت على المتأمل فيها والباحث عنها، غير أن من المؤكد أن العلاقة بينهما علاقة اتصالية كعلاقة السبب بالنتيجة من حيث التلازم، ذلك لأن الصوم صِلةٌ إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات كما يقول الإمام البغوي في تفسيره، أو أن الصائم في الغالب تكثر طاعته والطاعات من خصال التقوى كما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره.
 
غير أن أهم علاقة حقيقية بين الصوم والتقوى هي من حيث موقعهما الجغرافي من جسم الإنسان، وهو "القلب"، فالتقوى محلها القلب، والصوم محله "القلب" لتميزه بخصوصية لا تتوافر في غيره من العبادات، وهي "السرية" مما يجعل الرقابة فيها رقابة خفية ذاتية تتواصل فيها بوصلة القلب مع الله تعالى "الرقيبُ" على العباد وأحوالهم في السر والعلن، والظاهر والباطن، والصوم لا يعرف العلن ولا يهمه، فهو علاقة خاصة بين العبد وربه من حيث الأداء في حال العبد الذي يصوم ويحافظ على صومه منفردًا أو في وسط جماعة، في بلده أو مغتربًا، وعلاقة خاصة بين العبد وربه من حيث الثواب والجزاء.
 
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ".
 
ولعل من يتأمل ارتباط التقوى بالعبادة وحصول الثواب بالكامل عنهما، جاء في الصيام والحج من حيث وجود القيد أو الشرط اللازم لنيل الثواب بتحقق البعد عمَّا يفسد تلك العبادات بالوقوع في المنهي عنه سلفًا، مثل: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".

اضافة تعليق