الهجرة.. الحادث الفارق في تاريخ المسلمين

الإثنين، 11 يونيو 2018 01:59 م
الهجرة في حياة المسلمين .

كانت هجرة المسلمين واحدة مرحلة فارقة في تاريخ الإسلام، فقد كانت الانطلاقة الحقيقة لانتشار الدين الخاتم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة.

كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من أجل إعلاء كلمة الله، ونشر الإسلام، وتوحيد الصف، فهجرة المسلمين منذ بدء ظهور الإسلام حتى وقتنا هذا، كان لأصحاب دعوة الله نصيب عظيم من التضحيات، والاضطهاد في كل مكان، فكما ولد الإسلام غريبًا وقت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سيعود غريبًا كما بدأ.

هجرة المسلمين إلى الحبشة
 كان المسلمون يواجهون أصناف العذاب والقمع في مكة في بداية الدعوة المحمدية، فبالإضافة إلى عدم قدرتهم على نشر الدعوة، لم يستطيعوا ممارسة عباداتهم بحرية؛ لذا قد كانت الحاجة ماسة إلى البحث عن ملجأ آمن يحمي المسلمين، وكانت الحبشة حينذاك تتميز بأن لها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهو “أصحمة النجاشي”، وكان هذا هو السبب الرئيسي لاختيار الرسول –صلى الله عليه وسلم- للحبشة، وأيضًا كان من أسباب اختيارها أن أهل الحبشة هم أهل كتاب، فسوف يكونون متعاطفين أكثر مع المسلمين، وأن الحبشة لا تخضع لقوة أكبر، فهي مستقلة تحكم نفسها بنفسها، كما أنها بعيدة كفاية عن مكة، فيكون المهاجرين بمأمن من اعتداء أهل قريش عليهم.

 وقد هاجر المسلمون إلى الحبشة مرتين، أولها إلى الحبشة في شهر رجب، في العام الخامس بعد البعثة، الموافق 615م، وكانوا حوالي أحد عشر رجلًا، وأربع نساء، -وقيل امرأتان-، وقد كان “عثمان بن مظعون”في إمارتهم.

 ومن بين هؤلاء الذي هاجروا إلى الحبشة: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد، أبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، الزبير بن العوام، مصعب بن عمير، عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن مظعون، عبد الله بن مسعود، وغيرهم –رضي الله عنهم جميعًا-.

 وعلمت قريش بخروج بعض المسلمين، فحاولت تعقبهم إلا أنهم كانوا قد ذهبوا.

 عودة بعض المسلمين إلى مكة
 بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة، لم يمكثوا طويلًا، حيث وصل إليهم نبأ إسلام قريش في مكة، فعاد البعض منهم إلى مكة، وبقي البعض الآخر، وكان هذا في شهر شوال من نفس السنة، أي في العام الخامس بعد البعثة، وعندما اقتربوا من مكة، علموا أن ما وصلهم من خبر إسلام قريش كان كاذبًا، فمنهم من عاد إلى الحبشة، ومنهم من دخل قريش في الخفاء.

 هجرة المسلمين الثانية إلى الحبشة
بعد عودة من عاد إلى مكة، قد أمرهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالخروج إلى الحبشة مرة أخرى. وقد كان عدد المسلمين في المرة الثانية حوالي ثلاثة وثمانون رجلًا، وتسع عشرة امرأة، وكان على رأس الوفد “جعفر بن أبي طالب”، وكان هذا هو الوفد الأول لخروج المسلمين إلى الحبشة في المرة الثانية، أما الوفد الثاني فكان على رأسهم “أبو موسى الأشعري”.

ولما وصل المسلمون إلى الحبشة شعروا بالأمن الذي كانوا يفتقدونه في مكة، لكن اتفق مشركو قريش على إرسال وفد إلى النجاشي، محمل بالهدايا والأموال التي اتفقوا على جمعها من بعضهم، وقد كان لهذه المهمة “عمر بن العاص”، و”عمارة بن الوليد”، وقيل “عبد الله بن أبي ربيعة”. وعندما وصل الوفد إلى النجاشي سلموا عليه، وكانوا يريدون أن يوافق النجاشي على تسليم المسلمين إليهم، إلا أنه لم يوافق حتى يسمع ما يقولهوفد المسلمين أولًا، ولهذا فقد قام بالإرسال إليهم حتى يحضروا إليه.

وعندما ذهب المسلمون إلى النجاشي سألهم النجاشي عن الدين الذي من أجله كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة، وحينها رد “جعفر بن أبي طالب” –رضي الله عنه-، وكان فصيح اللسان، وأخبره ما كانوا عليه في الجاهلية، فكانوا يعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويسيئون الجوار، ويأكل القوي الضعيف، وعندما جاء محمد-صلى الله عليه وسلم- بدين الإسلام، وكان واحد منهم، معروف بصدقه وأمانته، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وأمرهم بجليل الأخلاق، وصدق الحديث، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، ونهاهم عن الفواحش، والكف عن المحرمات، وعدم قذف المحصنات، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام، وحينها صدقوه، واتبعوا ما جاء به، وأخبروه أنه عندما علم أهل قريش بذلك عذبوهم، وضيقوا عليهم، ولهذا فقد قدموا إلى الحبشة، لأنهم يعرفون أن ملكها لا يظلم أحد عنده، وحينها طلب النجاشي أن يستمع إلى شيء مما جاء به محمد في كتابه، فقرأ “جعفر بن أبي طالب”عليه بعضًا من آيات سورة مريم، ولهذا فقد صدق النجاشي ما جاء به المسلمون، لأن هذا ما قد جاء في كتابهم، ورفض أن يسلمهم لمشركي قريش.


وعندما عاد الرجلان إلى النجاشي في اليوم الثاني قاما بتشكيك النجاشي فيما يقولونه عن سدينا “عيسى بن مريم”، وحينها أرسل النجاشي في طلب المسلمين مرة أخرى ليسألهم عن فيما يقوله الإسلام في “عيسى بن مريم”، وحينها كان ردهم عليه أنه عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله، وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول العذراء، وهنا رفض النجاشي أن يسلم المسلمين إلى أهل قريش، كما أنه أمر بإرجاع الهدايا والأموال التي جاؤوا بها إليه، فلن يقبل منهم رشوة، أو أي شيء، وهكذا فقد عاد الرجلان إلى مكة خائبين.

 هجرة المسلمين إلى المدينة

تعتبر هجرة المسلمين إلى المدينة حدثًا تاريخيًا، وذا مكانة عالية بين المسلمين في جميع أنحاء العالم، فـ هجرة المسلمين إلى المدينة يعتبر بداية قوة كبيرة للمسلمين، بدأت بها غزواتهم، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، ودخول الكثير من الناس في كلٍ مكان في الإسلام، وفي عهد الخليفة “عمر بن الخطاب”قد تم اتخاذ الهجرة النبوية بداية التقويم الهجري، وقد كانت هجرة المسلمين إلى المدينة أو إلى يثرب واجبة عليهم حتى فتح مكة في العام الثامن من الهجرة.

 وكانت الهجرة النبوية في عام 622م. ووجد الإسلام مكانًا في قلوب سكان يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج، فبعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، وانتشار الإسلام في أهل يثرب أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- المسلمين بالهجرة إلى المدينة، خاصة بعد أن وجد نصرة هناك من قبل قبيلتي الأوس والخزرج، وفي نفس الوقت كان الأذى قد اشتد بالمسلمين خاصةً بعد موت أبي طالب.
في بداية الأمر كان خروج المسلمين إلى المدينة في الخفاء، وكان أول المهاجرين من المسلمين “أبو سلمة المخزومي” –رضي الله عنه-، وعندما هاجر سيدنا “عمر بن الخطاب”هجر في العلن، ولم يقدر أحد من قريش على منعه من الهجرة إلى المدينة أو اعتراض طريقه.
هاجر المسلمون ولم يبق منهم في مكة إلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وصهيب الرومي، وعدد من المستضعفين. –رضي الله عنهم وأرضاهم-.

ولما عرف المشركون من قريش هجرة المسلمين إلى المدينة، لم يرغبوا في هجرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فاجتمعوا فيما بينهم، واتفقوا أن يأخذوا من كل قبيلة من قريش رجلًا ليقتلوا محمدًا ليلًا وهو في داره، ولكن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد عرف ذلك، فقد أخبره جبريل بذلك، حيث أخبره أن لا ينام الليلة في فراشه، وأمر رسول الله سيدنا “علي بن أبي طالب” –رضي الله عنه- أن ينام في فراشه بدلًا منه، وعندما اجتمع المشركون في داره –صلى الله عليه وسلم- خرج من بينهم ولم يره أحد منهم، وفوجئ كفار قريش برؤية عليًا في الفراش، وهكذا باءت خطة المشركين بالفشل.

وقد وكل رسول الله عليًا بإرجاع الأمانات التي كانت لدى رسول الله إلى أهلها، وكان بقاء عليًا بمثابة تمويه بعدم هجرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، حيث كان يعلم أهل قريش أنه على دين الإسلام، إذ لو هاجر محمد لكان اصطحبه معه، وقد ظل سيدنا علي –رضي الله عنه- في مكة ثلاثة أيام حتى أمره رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالهجرة، عن طريق رسول من رسول الله. رحلة سفر رسول الله، وأبي بكر الصديق ذهب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر الصديق إلى غار ثور -وهو كهف في جبل، أسفل مكة-، وقد كان أبو بكر قد جهز راحلتين حتى تساعدهما على السفر، وكان قد تركهما النبي لـ”عبد الله بن أريقط”حتى يأتي بهما لرسول الله، وأبي بكر الصديق بعد ثلاثة أيام في غار ثور، ويكون لهما دليلًا في السفر، وقد حمل أبو بكر ماله كله في هذه الرحلة، وكانا يعرفان ما يحدث في مكة عن طريق “عبد الله بن أبي بكر”الذي كان يستمع ما يقوله المشركون نهارًا، ويأتي ليخبرهما بما يحدث ليلًا، وكان “عامر بن فهيرة”يرعى غنم أبي بكر، ويأتي لهما بالحليب، وأيضًا كان يمسح بآثار الغنم آثار “عبد الله بن أبي بكر”، وكانت “أسماء بنت أبي بكر”تأتيهما بما يلزم من الطعام.
وطمأن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن الله معهما، عندما كان خائفًا أن يراهما المشركين، إن نظر أحدهم تحت قدميه. وهكذا أمن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وصاحبه أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-، ووصلا إلى المدينة بسلام.

بعد هجرة المسلمين إلى المدينة، لحق بهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يوم الإثنين، الثامن من شهر ربيع الأول، ومكث هو وأبو بكر الصديق في قباء عند “عمرو بن عوف”، أربعة أيام، أسس فيها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مسجد قباء، ثم دخل المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول، وقد كان استقبال الأنصار للرسول وأصحابه استقبالًا كبيرًا، وبهذا فقد وجد المسلمون مكانًا آمنًا، ومهدًا لنشر دعوة الإسلام.

واستمرت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة حتى فتحت مكة في العام الثامن من الهجرة، وقد كانت هجرة المسلمين واجبة عليهم قبل ذلك، وعندما فتحت مكة، لم تعد هجرة المسلمين إلى المدينة واجبة، كما أن المهاجرون في الحبشة عندما سمعوا بأمر هجرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة عاد منهم البعض، واستطاعوا الاشتراك في غزوات الرسول –صلى الله عليه وسلم- التي حدثت فيما بعد، مثل: غزوة بدر.

اضافة تعليق