"حبيبك يبلع لك الزلط".. التغافل سنة مهجورة.. تركها الناس فنغصوا عليهم معيشتهم

الإثنين، 11 يونيو 2018 12:54 م
حبيبك يبلع لك الزلط 2


التغافل عبادة مهجورة، يحتاجها المسلمون في الوقت الحاضر بشدة، في ظل الضغوط اليومية والتنافس على لقمة العيش، خاصة وأن لها مفعول السحر في الحفاظ على المودات وسلامة القلوب من الأحقاد، ومن أبرز علامات علو الهمة، كما أن التغافل من صفات المؤمن الحليم، وهو فن من فنون التعامل مع الناس لا يتقنه إلا كل حليم، ويقول في التغافل أحد الحكماء "وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل".

 وربما نحتاج إلى أدب التغافل وغض الطرف عن الهفوات والأخطاء في كل معاملاتنا وفي أغلب مواقف حياتنا. وأحق الناس بالتغافل وغض الطرف عن أخطائهم الصغيرة وزلاتهم غير المقصودة أقرب الناس وأكثرهم احتكاكا بنا، و التغافل جاء في قوله تعالى وهو يتحدث عن أشرف الخلق: " وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)التحريم.
والتغافل عن الأخطاء ليس دليلاً أبدًا على السذاجة والغباء كما يظن البعض، فكثير من المتغافلين يحكم عليهم بعض المتسرعين في إصدار الأحكام على الناس بأنهم سذج أو أغبياء أو جبناء، جهلا منهم وقلة حكمة، لأن التغافل في مواقف كثيرة يكون هو العقل ومنتهى الحكمة والمروءة. قال الإمام الشافعي: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل).

نماذج لعظماء

ومن تتبع سير العظماء وجد أن من أعظم صفاتهم أدب التغافل وغض الطرف.

فهذا سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أدب التغافل فيقول لأصحابه “لا يبلغنا أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر”.
فلم يكن عليه الصلاة والسلام يتتبع زلات أصحابه أو يبحث عن أخطائهم، بل كان ينهى عن التجسس والتحسس وتتبع العورات وتفسير المقاصد ولم يرض أن يخبره أحد عن أحد شيئا حتى يبقى سليم الصدر محبا لجميع أصحابه.
وقد قال سيدنا عيسى عليه السلام للحواريين "كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما وقد كشف الريح ثوبه عنه" قالوا "نستره ونغطيه" قال "بل تكشفون عورته" قالوا "سبحان الله من يفعل هذا" فقال "أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها".

فوائد التغافل
من أعظم فوائد وثمرات هذا الأدب: أنه يكسب صاحبه طمأنينة النفس وراحة البال، سواء أتعرض لهذا الأدب مع الصديق أو مع العدو فقد كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة، فقد كان المشركون يسبونه ويشتمونه، فكان يقول لأصحابه: “أما يعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمما وأنا محمد مع علمه أنهم يقصدونه”.

قال القائل:



وقد أمر على السفيه يسبني

فمضيت ثمة وقلت لا يعنيني

ومن فوائد التغافل أنه يسد باب النكد والشقاء على صاحبه فعن علي كرم الله وجهه قال: من لم يتغافل تنغصت عيشته) وهذا ما يعانيه الإنسان اليوم، يسمع ما يكره فيفكر فيه ويستمر في التفكير فيه وينغص عيشته، فالذي يقف عند كل كلمة وكل حركة وعلى كل خطأ أو يحاسب على كل صغيرة وكبيرة هو أكثر الناس شقاء وتعاسة.



من فوائد التغافل دوام المودة والعشرة سواء بين الأقارب أو الأصدقاء أو الأزواج… فكم من علاقات فسدت بسبب خطإ بسيط، وكم من بيت هدم بسبب تتبع الأخطاء والعثرات…


ثمرة التغافل

ومن ثمرات التغافل دوام الصلة الطيبة بين الآباء والأبناء خاصة في فترة المراهقة. هذه الفترة العمرية مراهقة للأبناء ومرهقة للآباء. يجعلها التغافل أكثر يسرا على المربي فكثير من الآباء يترصدون أخطاء أبنائهم ويحصونها مهما كانت صغيرة ويذكرونهم بها كلما سنحت الفرصة لذلك، ويكون ذلك سببا في تحطيم شخصياتهم واكتسابهم لعادات سيئة كالكذب والعناد، لتصير العلاقة بينهم سيئة ومكفهرة. وربما ينتج عن تلك المعاملة مشاكل لا تحمد عقباها منها زوال الهيبة.


ومن ثمرات أدب التغافل أن يطفئ ما يمكن أن ينتج عنه الضر والشر لأن إحصاء كل صغيرة وكبيرة أمر لا يطيقه لا الكبير ولا الصغير، لا القريب ولا البعيد وهو في الكثير من المواقف يشعل شرارة الغضب والشحناء في القلوب.


قال الإمام الشافعي: (الكيس العاقل هو الفطن المتغافل).

اضافة تعليق