خواطر رمضانية.. أثر القرآن في هداية النفوس

الإثنين، 11 يونيو 2018 12:52 م
خواطر رمضانية

 من أجلِّ نعم الله على الإنسانية قاطبة وأظهرها، نعمة إنزال الكتب على أنبيائه الكرام، يتعبد الناس بتلاوتها، ولتكون هداية لهم ونوراً، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:44]، وقال: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:46]. وقال: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16].

ولم يبق من تلك الكتب المنزلة شيء يصدق عليه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2]، إلا القرآن المجيد، فهو الكتاب الوحيد الذي ما زال بين يدي الناس مصوناً محفوظاً، لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.. فهلا استغللنا شهر رمضان المبارك في قراءة القرآن الكريم يوميًا فهو لا شك يهدي النفوس ويزيل الهم والغم.

والقرآن الكَريم هو المُعجزة الخالدة لهذا الدين، وهو الكِتاب الحكم الذي أنزل على النبي الكريم، وإذا كان الأنبياء السابِقون عليهم السلام قد أوتوا من المُعجزات ما آمَنَ عليه البشر في وقتِهم، ثمَّ انتهَت هذه المُعجزات بموتِهم، وفناء أقوامِهم، فإن الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم ظلَّ وسيظلُّ مُعجزة يُدرِكها اللاحقون بعد السابقين، ويراها المتأخرون كما رآها المتقدمون، وتلك وربي معجزة تتناسب وطبيعة هذا الدين الذي أراد الله له أن يكون آخر الأديان، وتتناسب مع القرآن الذي أراد الله أن يكون آخر كتاب أنزل من السماء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله: ((ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاه الله إليَّ؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة))؛ رواه البخاري ومسلم.

ولما كان العرب أرباب الفصاحة والحوار والمُناظَرة، نزَل القرآن ليتحدَّاهم جميعًا، إنسَهم وجنَّهم في الفصاحة والبلاغة؛ ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].

وفوق ذلك فقد استطاع القرآن الكريم أن يَخترق قلوبهم، وهم بعدُ على الكفر والضلال، وما زال يؤثر فيها حتى عاد أصحابها إلى الهدى والإيمان، يقول جبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي رضي الله عنه - وكان من أكابر قريش وعلماء النسب فيها -: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴾ [الطور: 35 - 37]، كاد قلبي أن يطير"؛ البخاري، وإنْ كان تأخر إسلامه إلى ما بين الحديبية والفتح وقبل خيبر.

وكانت قصة عتبة بن ربيعة، وهي مشهورة وإسنادها حسن، وخلاصتها أن قريشًا اختارت أحسن رجالها ليُكلِّم النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو الوليد عتبة بن ربيعة وكلَّم النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا وهو مُنصِت له، فلما فرَغ قال: ((قد فرغت يا أبا الوليد؟))، قال: نعم، قال: ((فاسمع مني)) قال: أفعل.

قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ [فصلت: 1 - 5])).

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سَمعها منه عُتبة أنصتَ لها، وألقى يديه خلف ظهرِه معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: ((قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ، فأنت وذاك))، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضُهم لبعض: نَحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به! فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟

قال: ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قطُّ، والله ما هو بالشعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكُه ملككم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به!

قالوا: سحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه.. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

وكان للقرآن أثره البالغ على أفئدة قساوسة النصارى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة: 83]، بل تأثَّر به مردة الجان الذين كانوا قبل نزوله يَسترقون السمع؛ ﴿ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجن: 1، 2].

فقد أخرج الحاكم وغيره بإسناد حسن عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "هبطوا - يعني الجن - على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صهٍ، وكانوا سبعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأحقاف: 29 - 32].

وإذا كان هذا منطق الجنِّ تجاه القرآن الكريم، فللملائكة كذلك شأن مع القرآن الكريم؛ فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحَيهما - واللفظ للبخاري - عن أسيد بن حضير، قال: "بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكَت فسكتَتْ، فقرأ فجالت الفرس، فسكَت وسكتَتِ الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يَحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجترَّه رفع رأسه إلى السماء، حتى ما يراها، فلما أصبح حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير))، قال: فأشفقتُ يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعتُ رأسي فانصرفتُ إليه، فرفعتُ رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها، قال: ((وتدري ما ذاك؟))، قال: لا، قال: ((تلك الملائكة دنَت لصوتك، ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم)).

وفي صحيح مسلم كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشَّته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه يَنفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: ((تلك السكينة تنزلت بالقرآن)).

وكذلك يكون أثر القرآن حين يُتلى، وليس بمُستغرَب أن يُحوِّل القرآن قلوب اللصوص المجرمين إلى قلوب علماءَ سادة، علماء صالحين، والفُضيل بن عياض العالم العابد عليه رحمة الله نموذج واضح لما أقول، وقد حكى الذهبي في "سير أعلام النبلاء" قصة توبته وتأثره بالقرآن، فقال: "كان الفُضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس، وكان سبب توبتِه أنه عشق جارية، فبينما هو يَرتقي الجدْران إليها؛ إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ... ﴾ [الحديد: 16]، فلما سَمعها، قال: بلى يا رب، قد آنَ، فرجَع، فآواه الليل إلى خَرِبة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحَل، وقال بعضُهم: حتى نُصبح فإن فُضيلاً على الطريق يقطع علينا.

قال: ففكَّرتُ، وقلتُ: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقَني إليهم إلا لأرتدعَ، اللهمَّ إني قد تبْتُ إليك، وجعلتُ توبتي مُجاورة البيت الحرام.

وأَكرِمْ وأَعظِمْ بهذا الكتاب الذي أحيا أمة بعد أن كانت في عداد الموتى! وصدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21].

اضافة تعليق