رمضان بين ألم الفراق وأمل القبول

الأحد، 10 يونيو 2018 11:11 م
620181232219531108036


هل صومي مقبول؟!
سؤال تابع للفراق، وفراق يعز على النفس المؤمنة، ولولا أن رمضان يعود ويتكرر لانصدعت له القلوب صدعاً لا يلأم، ولكن العزاء أنه فراق بعده لقاء، إن شاء الله.

الآن، يجتمع على قلبك حزن على فراق تلك النفحات الربانية التي لا تتجلى إلا في هذا الشهر المبارك، مع همة جادة في الطاعة، والإقبال على المولى سبحانه بأنواع من القربات و العبادات قلما تجتمع في غيره.، وخوف من عدم قبول تلك الأعمال التي اجتهدت فيها، وشمرت عن ساعديك لها، ويبقى أمل في المولى الكريم أن يقبل ما قدمت من قليل  مقابل كثير نعمه التي أنعم بها .
كان سلفنا الصالح عليهم من الله أزكى الرحمات قد جعلوا شهورهم كلها رمضان؛ فما كان دخوله يزيدهم طاعة، وما كان خروجه ينقصهم إحساناً، فهل نعقد العزم على أن نحول السنه كلها إلى رمضان؟
قل:إن شاء الله. 

وتذكر أننا قد اعتدنا في هذا الشهر الكريم على الكثير من الخير، وكففنا عن كثير من الشر، ترى!! هل سنستمر على ما اعتدنا عليه من محافظة على صلاة الجماعة؟ - خصوصاً صلاة الفجر وملازمة لكتاب الله؟ فهذا الميزان لقبول الأعمال والتوبة. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]؛ فإن كنا قد اهتدينا فسيزيدنا الله هدى. 

وتذكر يا من عرفت الله في رمضان أن رب رمضان هو رب رجب وشعبان،  فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد آذن برحيل،  ومن كان يعبد الله فإن الله دائم لا يحول. 

وتذكر أنك قد عاهدت ربك في هذا الشهر العظيم على التزام الطاعة،  والإقلاع عن المعصية وقد قال في محكم كتابه وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77]. وقال عز من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:3،2] فتعوذ بالله من توبة الكذابين. 

وتذكر أن شهر رمضان وإن كان شهر التوبة والإقلاع فإن باب التوبة مفتوح طول العام، يقول الحق سبحانه: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:104]. ويقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25] فهو سبحانه كل وقت غافر للذنب، قابل للتوب. كما أنه شديد العقاب. 

وتذكر أن شهر رمضان وإن كان فرصة للعبادة والتقرب إلى المولى سبحانه. فإن فرصة العبادة باقية لم تنته بعد. 

فلئن كان الصيام من أخص خصائص هذا الشهر إلا أن الصيام سوف يبقي محبوباً مطلوباً في سائر شهور العام،  بل هناك من الصيام ما هو كالمتمم لصيام رمضان، وهو صيام الست من شوال، أين أنت من صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع وصيام ثلاية أيام من كل شهر، وصوم أيام العشر. وشهر الله المحرم، و..... 

ولئن ذهبت مع رمضان صلاة التراويح لكن الصلاة على الدوام صلة وشيجة بين العبد وربه لا يفنيها انقضاء شهر أو مرور دهر، ولن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة وحط عنك بها خطيئة،  بلُه صلاة الليل التي هي شعار المتقين، ودأب الصالحين وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً [الإسراء:79] وهذا مطلق غير مقيد برمضان ولا غيره،  ولا تفوتك السنن الرواتب،  وصلاة الضحى،  باب خير لا ينقطع وفضل لا حد له لأهل الهمم العالية. 

وإن كان الدعاء قد كثر في شهر رمضان غير أن الله يستجيب دعاء من دعاه في أي زمان وأي مكان متي استجمع شروطه،  وانتفت عنه موانعه،  يقول السميع العليم سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]. عن أبي أمامة الباهلي قال: قيل يارسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: { جوف الليل الآخر وأدبار الصلوات المكتوبات } (رواه الترمذي(

والزكاة فريضة ليست مربوطة برمضان،  بل مدارها على انقضاء الحول فمتى حال الحول على مال بلغ النصاب وجبت زكاته سواء كان في رمضان أو في غيره. 

والصدقة قربة تطفيء الخطيئة وتنمي المال دائماً وأبداً ( ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً )،  فلا تحصر صدقاتك في رمضان وتحرم نفسك من الأجر بقية العام. 

ومتى كنا جادين في دعوانا يسرنا لليسرى،  وفتح لنا من أبواب الخير ما لم نحسب له حساباً، حتى نكون - إن شاء الله - من الذين عناهم المولى بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (الأحقاف:16(
وهكذا المؤمن، لآخر لحظة في رمضان يرجو تجليات الله وبتعرض لنفحاته ويخشى عدم القبول ويلح في طلب العفو والعتق من النار، ، وينوي الاستقامة على كل طاعة، كل الدهر، مثل نية صوم 6 أيام من شوال لينال أجر الدهر كله، كما دعانا خير الخلق- صل الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه وأتباعه،  والعزم على زيادة الطاعة والعزم على عدم الرجوع لأي معصية والتعوذ من السلب بعد العطاء...فهل من مستعد؟!

اضافة تعليق