وماذا بعد رمضان ؟!

الأحد، 10 يونيو 2018 10:27 م
خبر




ها نَحن نُودِّع شَهْرَ القرآن والتَّقْوى والصَّبْر والرحمة والمغفرة والعتق من النار... وأنتم تذكرون في أولِ جُمُعة من هذا الشهر المبارك يومَ أن وَقفنا وقلنا: مرحبًا بك يا رمضان، مرحبًا بك يا شهر القرآن، وها نحن اليوم وفي آخر جمعة من رمضان نقف لنودِّعَه، ونقول له: السلام عليك يا شهرنا الكريم، السلام عليك يا شهر رمضان، السلام عليك يا شهر الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن... السلام عليك يا شهرَ التَّجاوز والغُفْران، السلام عليك يا شهر البركة والإحسان، السلام عليك يا شهرَ الأمان، كنت للعاصين حبسًا، وللمتقين أنسًا، السلام عليك يا شهر الصيام والتَّهَجُّد، السلام عليك يا شهر التراويح، السلام عليك يا شهر الأنوار والمصابيح، فيا ليت شعري، هل تعود أيامُك أو لا تعود؟ وهل إذا عادت أيامُك، فسنكون في الوجود، وننافس أهلَ الركوع والسجود، أو سنكون قد انطبقت علينا اللُّحود، ومَزَّقَنا البِلَى والدود؟

فيا أسفًا على رحيلك يا رمضان، فيا شهرَنا، غير مُودَّع ودَّعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نَهارك صدقة وصيامًا، وليلك قِراءَةً وقيامًا، فعليك منا تَحيةً وسلامًا، أتراك تعود بعدها علينا، أم يدركنا المنون، فلا تؤول إلينا؟ مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا منك معمورة، فالآن تُطْفأ المصابيحُ، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ونفارق شهر العبادة.

والله، حقٌّ على كل واحد منا أن يبكيَ عليه، وكيف لا يَبكي المؤمنُ رمضانَ، وفيه تفتح أبوابُ الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذَهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكي على وقتٍ تُسَلْسَل فيه الشياطين، فيا لوعةَ الخاشعين على فُقدانه، ويا حرقة المتقين على ذَهابه.

هذا سيدنا علي - رضي الله عنه - كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: "يا ليت شعري، مَن المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه"... نعم والله، يا ليت شعري، مَن المقبولُ منا فنُهَنِّئه بحسن عمله، ومن المطرود منا، فنعزيه بسوء عمله.

أيها المقبولون، هنيئًا لكم، وأيُّها المردودون، جبر الله مُصيبَتكم، ماذا فات مَن فاته خيرُ رمضان؟ وأي شيء أدرك مَن أدركه فيه الحرمان؟ كم بين مَن حظُّه فيه القبول والغفران، ومَن حظُّه فيه الخيبة والخسران؟ متى يصلح من لم يصلح في رمضان؟ ومتى يَتَّعِظ ويعد ويَستفيد ويتغير ويغير من حياته مَن لَم يفعل ذلك في رمضان؟ إنَّه بحقٍّ مَدرسة للتغيير، نغير فيه من أعمالنا وسُلُوكِنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله - جل وعلا -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].

أيها المسلم، إنَّ كثيرًا من المسلمين يكونون في رمضان من الذين هم على صلاتِهم يُحافظون، فإذا انقضى رمضانُ، أضاعوا الصَّلاةَ، واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين يَجتنبون في رمضان مُشاهدةَ المحرمات، وسَماع الأغاني، فإذا انقضى رمضان، عادوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وهؤلاء يُخْشَى عليهم أن يُختم لهم بالسيئات، أعاذنا الله وإياكم.

فيا مَن صام لسانُه في رمضان عن الغِيبة والنَّميمة والكَذِب، واصلْ مَسيرتَكَ، كما ينصح الشيخ محمد جمعه الحلبوسي،  وجدَّ في الطلب، ويا من صامت عينُه في رمضان عن النظر المحرم، غضَّ طرفَك ما بقيت، يورثِ الله قلبَك حلاوةَ الإيمان ما حييت، ويا من صامت أذنه في رمضان عن سماع ما يحرم من القول، وما يُستقذر من سماع غيبة، أو نميمة، أو غناء، أو لهو، اتَّقِ اللهَ ولا تعد، اتَّقِ الله، ولا تعُد، ويا من صام بطنه في رمضان عن الطعام، وعن أكْلِ الحرام، اتَّقِ الله في صيامك، ولا تذهب أجرك بذنبك، وإياك ثم إياك من أكلِ الربا، فإن آكله مُحارِب لله ولرسوله، فهل تطيق ذلك؟ ولقد ذَمَّ السلفُ هذا الصنف من الناس، وهذا النوع من الأجناس، قيل لبشر: إنَّ قومًا يَجتهدون ويتعبدون في رمضان، فقال: "بئس القوم الذين لا يعرفون اللهَ إلاَّ في رمضان، إن الصالح يجتهد ويتعبد السَّنَةَ كلها".

وعن علقمة قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها -: "هل كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَختص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، بل كان عمله ديمة"؛ البخاري (1987) ومسلم.


اضافة تعليق