وثيقة لحفظ الحقوق ورد المظالم..

"حلف الفضول".. الذي أشاد به النبي

الأحد، 10 يونيو 2018 01:53 م
حلف الفضول


ربما لم يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم من الجاهلية سوى أشخاص ومناسبات قليلة، خاصة مع ما انتشر في الجاهلية من بغي وظلم وعبادة الأصنام، وكافة أنواع الرذائل، إلا أن النبي الذي عاش في مكة المكرمة طفولته وشبابه، وله فيها ذكريات عزيزة، امتدح حِلْف الفضول وما يتضمنه من مكارم الشيم وعظيم الأخلاق من هذه الذكريات التي ملكت عليه قلبه، حتى أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قال بعد أن أكرمه الله بالنبوة والرسالة: ( لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحبّ أن لي به حمر النعم ) رواه أحمد .

 الفضول

  لخمس عشرة سنة من عمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي شهر ذي القعدة كان حلف الفضول الذي تم بعد حرب الفجار بأربعة أشهر، وسببه أن رجلا من زبيد ( بلد باليمن ) قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، ومنعه حقه فاستعدى عليه الزبيدي أشراف قريش، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة، فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تَيْم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه، وأبرموا هذا الحلف، الذي سمي بحلف الفضول لأن من قام به كان في أسمائه الفضل، كالفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة كما ذكر ذلك البخاري في الأدب المفرد .

وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب :


إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يقيم ببطن مكة ظالـــم

أمر عليه تعاقــدوا وتواثقــوا فالجار والمُعترّ فيهم سالم

( والمعترُّ ) هو الزائر .

إن حلف الفضول كان تجمعا وميثاقا إنسانيا تنادت فيه المشاعر الإنسانية لنصرة الإنسان المظلوم، والدفاع عن الحق، ويعتبر من مفاخر العرب قبل الإسلام ، وإنّ بريق الرضا والفرح بهذا الحلف يظهر في ثنايا الكلمات التي عبّر بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه بقوله: ( ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت )، فإنّ الحب والحمية للحق، والحرص على تحقيق العدل هو هديه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فهو القائل في الحديث المشهور عنه صلوات الله وسلامه عليه: ( أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايـم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) رواه البخاري.

التعريف بحلف الفضول وسببه

حلف الفضول هو معاهدة واتفاقية وميثاق وقع بعد حرب الفجار. وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحلف قبل بعثته وله من العمر عشرون عاما، وقد عقد هذا الحلف في دار عبد الله بن جدعان، وحضرته عدة قبائل من قريش، وقد تعاهدوا من خلاله على ضرورة نصرة المظلوم.

المبادئ العامة لحلف الفضول

 ليس الغرض من وراء الحديث عن حلف الفضول مجرد الوقوف على أحداث تاريخية مضت، أو استحضار لأمجاد من عروبة انقضت، بل المقصد من ذلك الوقوف على مبادئ حلف الفضول والاستفادة من دروسه وعبره والسعي إلى بناء تحالف وميثاق يضمن الحفاظ على حقوق الإنسان. فحلف الفضول ينسجم مع ما جاء به الإسلام ويدل على ذلك ثناء النبي صلى الله عليه وسلم وإشادته بهذا الحلف.

ومن بين المبادئ العامة التي قام عليها حلف الفضول ما يلي:

نصرة المظلوم

فقد تعاقدت قبائل من قريش على ضرورة نصرة المظلوم والوقوف بجانبه إلى أن يأخذ حقه. ومن ذلك وقوفهم مع الزبيدي حتى أخذ حقه من العاص بن وائل رغم شرفه ومكانته.

وقد حرص الاسلام على وجوب نصرة المظلوم أيا كان دينه ومعتقده ومذهبه وقوميته ولغته ولونه وجنسه. عن معاذ رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: “اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” 4 .


عن أنس رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما). فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: (تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره)” .

مقاومة الظلم

حرص تحالف الفضول على مقاومة الظلم وضرورة ردع الظالم ومنعه عن ظلمه. وقد ورد في الشريعة الاسلامية ما يدل على ذلك. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” .

وقد حذر القرآن الكريم من عاقبة الظالمين فقال تعالى: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَاب الْخُلْد هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (يونس: 52).

وقال عز وجل: وَنَقُول لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (سبأ: 42).


وفي الحديث القدسي قال الله تبارك وتعالى: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” 7 .

الدفاع عن الحقوق


اتفقت القبائل العربية الموقعة على حلف الفضول على الدفاع عن حقوق الإنسان. ويشكل هذا الحلف الوثيقة الأولى في حفظ وحماية الحقوق العامة للإنسان. وقد جاء الإسلام ليقرر ذلك، فحرم قتل النفس ودعا لحفظ المال والعرض. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه” 8 . كما أن الإسلام قد خول لكل فرد حقه في الحياة والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، والحق في الصحة والتعليم والمساواة والتملك والتدين… والنصوص الشرعية على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر وَالْبَغْي يَعِظكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل: (90).

قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الأعراف: (157).


حماية الكعبة الشريفة ممن يريدون بها شرًا

ويعتبر أعلى الحقوق قدسية عند القبائل العربية، فقد اتفقت عدة قبائل في حلف الفضول على ضرورة حماية الكعبة من كل عدوان، وعلى حرمة الدم عامة وأمام الكعبة وفي الأشهر الحرم خاصة.

 نشر قيم الأخوة والتآزر والتعاون على فعل الخير

لقد أكد حلف الفضول على مبادئ إنسانية تنسجم مع الفطرة السليمة منها: تعزيز قيم الأخوة والتآزر التضامن والتكافل والتعاون على حب الخير ونشر الفضيلة. وقد سمي بحلف الفضول لما فيه من فضائل ومبادئ إنسانية.

وقد جاء الإسلام ليقرر مثل هذه الفضائل: كالأخوة والتآزر والتعاون على فعل الخير وغيرها. قال الله تعالى: نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الحجرات: 10).

اضافة تعليق