العشر الأواخر.. هكذا كان يحيها الرسول

الأحد، 10 يونيو 2018 12:09 م
العشر الأواخر

 
هكذا تمضي الأيام ولم يتبقَ إلا بقيّة من هذه العشر المباركة، تتقلص الأيام والليالي وتنقضي شاهدة بما عملنا، وحافظة لما أودعنا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ ينادي ربنا: "يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
 
ولقد بقيت بقية كان يحتفي بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيما احتفاء، في العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمر وجد وشد المئزر ، نعم كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام لا يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه؟!
 
إي والله إذا لم تكن هذه الليالي الفاضلة وقت انكسار وتضرع ولجوء إلى الله فمتى يكون ذلك!! تقول عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: يا رسول الله: أرأيت إن علمت ليلة القدر ماذا أقول فيها؟! قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
 
الدعاء الدعاء، لنَعُجُّ فيما تبقى من عشرنا هذه بالدعاء لنٌلِظُّ على الحي القيوم، فقد قال ربنا - عز شأنه -: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
 
إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح.
 
رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين وقصص التائبين.. يلجأ الصادق:بقلب خاشع قائلاً: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فيغفر له وإن كان فر من الزحف. كما عند أبي داود والترمذي.
 
لقد كان العبّادُ على شدة حذرهم وقلة وقوعهم في الأخطاء والذنوب يكثرون من الاستغفار.. الاستغفار وما أدراك ما الاستغفار؟! عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. وفي المسند عن حذيفة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني ذرب اللسان وإن عامة ذلك على أهلي، فقال: أين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب. رواه الإمام أحمد والنسائي.
 
قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة وذلك على قدر ديتي. وقالت عائشة: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا. قال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحبّ إليه من استغفار كثير.
 
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وبالجملة، فدواء الذنوب الاستغفار، وروينا من حديث أبي ذر مرفوعا: إن لكل داء دواء، وإن دواء الذنوب الاستغفار. قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار. وقال بعضهم: إنما معول المذنبين البكاءُ والاستغفار، فمن أهمتّه ذنوبه، أكثر لها من الاستغفار.
 
أيها الناس.. من نزعت منه حلاوة المناجاة ولذة طلب مغفرة الله واللجوء إليه من القلب عايش أشد ألوان العقوبات والحرمان، ألم يستعذ النبي – صلى الله عليه وسلم - من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع؟! ما أجمل هذه الأيام!!.. يجتمع فيها أوقات فاضلة وأحوال شريفة، العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود، وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في هذه الليالي والأيام، فأين المتنافسون؟! و"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي". 
 
وقد اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الأيام العشر حتى توفاه الله...عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه، فالمعتكف ذِكْرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته، قال الزهري رحمه الله: عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي عليه السلام لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله.
 
أيها الأخوة: ولازال الرجاء باقٍ في تحري ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ليلةٌ خير من ألف شهر، إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء وشقاء الأشقياء: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ولا يهلك على الله إلا هالك.
 
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من لياليالعشر الأواخر. وكان النخعي يغتسل فيالعشر كل ليلة، وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلةالتي ترجى فيها ليلة القدر.﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُالتَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.. فلا يصلح لمناجاة الملك في الخلواتإلا من زين ظاهره و باطنه، وطهَّرهما خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى.. وقد ذهب بعض السلف كالشعبي والشافعي إلى اعتبار ليلة القدر كنهارها في لزوم الاجتهاد في العمل الصالح.

اضافة تعليق