لماذا جعل الله الصيام كفارة للذنوب وجبرًا للقصور في الطاعات؟

الأحد، 10 يونيو 2018 11:51 ص
لماذا جعل الله من الصيام كفارة عن الذنوب والإساءات

جعل الله سبحانه وتعالى من الصيام كفارة وجبراً لبعض الإساءات المخلة بالدين، التى قد يرتكبها المرء فى حياته فى عباداته أو معاملاته أو سلوكه، وذلك ليهذب النفوس ويربيها على عدم العودة إلى مثل تلك الإساءات، لما فى الصوم من كبح لزمام النفس الأمارة بالسوء، وإعادة لها إلى الطهارة والنقاء والتزكية، إن كان مستوفياً لشروطه وآدابه الآتى بيانها وهي:

 
ففى ما يتعلق بالإساءة فى العبادات، وذلك فى الحج، أوجبه فى موضعين:
الموضوع الأول: فى الإساءة فى الحج بارتكاب محظور من محظورات الإحرام كالحلق ونحوه، أو قتل صيد الحرم، أو أى صيد برى وهو محرم.


الموضع الثانى: عند الترفه فى الحج بالتمتع أو القرانحيث يعجز عن الهدى.

أما الموضع الأول، وهو الإساءة فى الحج بفعل محرم من محرماته التى هى من باب الإزالة أو الترفه كالحلق والطيب ونحوهما، فقد أوجب الله تعالى جبر ذلك بواحد من ثلاثة أشياء على التخيير: الصيام أو الإطعام أو الذبح، وذلك بقوله سبحانه: َ"مَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" - [البقرة: 196].

فجعل الصيام أولها؛ لأنه أعظم الثلاثة أثراً فى استقامة السلوك فى المستقبل، إضافة إلى عظم أجره، وهذا فيما إذا كانت الإساءة بفعل شئ يتعلق بجسده.

أما إذا كانت الإساءة بفعل محرم من محرمات الإحرام المتعلقة بغيره، مما يؤذن انتهاكها بعدم تعظيمه لشعيرة الحرم أو الإحرام، وذلك كقتل صيد البر وهو محرم، أو قتل صيد الحرم مطلقاً، فقد أوجب الله تعالى واحداً من ثلاثة أمور مرتبة: هدياً بالغ الكعبة إن كان الصيد مما له مثل فى بهيمة الأنعام، فإن لم يكن له مثل فيقوم الصيد اثنان ذوا عدل، ويخرج القيمة فيشترى بها طعاماً يصرفه على مساكين الحرم، لكل مسكين مد.

فإن عجز عن ذلك عدل إلى الصيام فيصوم بعدد الإمداد التى تبلغها القيمة المقدرة للصيد مهما بلغت كثرة، كما دل على ذلك قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" - [المائدة: 95].

فجعل الصيام واحداً مما يفدى به عن تلك الإساءة، وجعله منوطاً بعدد الإمداد التى كان يمكن للقيمة المقدرة لو وجدت أن تشتريها، ومعلوم أنه قد يكون الطعام رخيصاً كما فى هذه الأيام، فكم تبلغ الإمداد لو كانت القيمة مائة أو مائتين أو أكثر؟ لاسيما مع ارتفاع أسعار مثل هذه الحيوانات البرية من صيد ونحوه كما هو معلوم وملموس.

لذلك كان هذا الجزاء وبالاً على صاحبه، أى ثقيلاً وشديداً عليه، ولكنه يتلاءم مع سوء الصنيع الذى اقترفه من هتك حرمة الحرم أو الإحرام.

وإنما اختار الله هذا الجزاء الثقيل ليكون ثوابه جابراً لما انتهك من حرمة، وليقوم سلوك المرء مستقبلاً، ولذلك إذا لم يستقيم سلوكه بعد هذا الجزاء المؤلم الثقيل فعاد إلى انتهاك حرمة الإحرام، فإن الله تعالى قد آذنه بعقوبة لا طاقة له بها، وهى الانتقام (ومن عاد فينتقم الله منه) لأنه بعدئذ يكون معوج السلوك، لا يصلح إلا بالجزاءات الرادعة المربية، وصدق الله إذ يقول: "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ"  - [المائدة: 50].

 أما الموضع الثانى، وهو ما إذا عجز عن هدى التمتع ومثله القرآن، فإن الله تعالى قد جعل له بدلاً عن ذلك، وهو صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده كما قال سبحانه: "فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" - [البقرة: 196].

 فجعل الصيام بدلاً عن الهدى عند فقده أو العجز عنه، لما فى الصيام من الكفاية والسداد لما يؤديه الهدى من الجبران، ولذلك قال: (كاملة) "أى: كاملة فى الثواب لسدها مسد الهدى فى المعنى الذى جعلت بدلاً عنه"(12).

 فانظر كيف جعل الصيام جابراً لما يقع فى النسك من تقصير أو إساءة، وذلك لما فى الصوم من الوفاء بذلك النقص لعظيم أجره، ولما فيه من تعديل للخلق وتقويم له، فيحمل صاحبه إلى عدم العودة إلى مثل تلك الإساءة أو التقصير، لما يورث فى صاحبه من التقوى.

 إيجاب الصيام عقوبة على الإساءة فى المعاملات الاجتماعية:

وكما أوجب الله تعالى الصيام على الإساءة فى بعض العبادات وهى الحجج، فكذلك أوجبه على الإساءة فى بعض ما يجرى بين المسلمين من المعاملات وذلك كالإساءة بالقتل، أو الظهار، أو الحنث باليمين.

فإن الله تعالى أوجب على الإساءة فى هذه الأشياء كفارة لتكون جابرة لعظم تلك الذنوب ومقومة لأخلاق المسلم وسلوكه وجعلها موازية فى الشدة لعظم الجرم الذى اقترفه لتكون كفيلة بتقويم خلقه، وجابرة لعظم ذنبه. 1-  فالقتل جريمة كبيرة يقترفها المرء فى حق أخيهن توجب له المقت والغضب، أو التخليد فى النار، لذلك أوجب الله تعالى فيه القصاص إن كان عمداً عدواناً، أو الدية إن رضى أولياء المقتول بها، وبالإضافة على الدية أوجب الله تعالى الكفارة العظمى، وهى عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز عنها وجب الانتقال إلى صيام شهرين متتابعين، لا يقطعهما بفطر يوم واحد، فإن قطعهما بفطر يوم انقطع التتابع، ووجب الاستئناف، ما لم يكن هناك عذر شرعى مبيح للفطر كالحيض والنفاس مثلاً.

وسواء فى هذه الكفارة القتل العمد والخطأ، وقتل المسلم أو الذمى، فيجب فى كل بالإضافة إلى الدية إن لم يكن قصاص، تلك الكفارة لقوله تعالى: "مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً" - [النساء: 92].

فانظر كيف انتقل القرآن الكريم بالكفارة من العتق عند العجز عنه لتعذر الحصول عليه أو على قيمته إلى الصيام، وأى صيام؟ إنه صيام شهرين كاملين متتابعين، أى لا يفصل بينهما فطر، وذلك لتستل منه النزعة الوحشية، وتزكو أخلاقه، ولا ريب فإن صيام ستين يوماً متتابعة صياماً كاملاً محافظاً فيه على الآداب، كفيل بإعادة المرء إلى سلوك الإسلام وأخلاقه الحميدة، فإنه يحصل مثله بشهر، فكيف إذا كان الصيام شهرين متتابعين؟ 2
- والظهار – وهو قول الرجل لامرأته: أنت على كظهر أمى، أو نحوه، جريمة كبيرة(13) سماه الله تعالى (منكراً من القول وزوراً) لأنه إحالة حكم الله وتبديله بدون إذنه، لذلك كانت كفارته إذا لم يتبعه فوراً بالطلاق، كفارة عظمى وهى تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كما بين الله تعالى ذلك بقوله:   َالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ  - [المجادلة: 3-4].

 فأوجب الله عز وجل عند العجز عن تحرير الرقبة لفقدها أو فقد ثمنها، أو ارتفاعه عن حده، الانتقال إلى صيام شهرين متتابعين، وذلك لما فى هذا الصيام من الوفاء بحبر تلك الإساءة لعظم أجره، ولما فيه من تقويم للسلوك، وتهذيب للأخلاق، ولذلك اشترط فيه التتابع حتى يؤتى ثماره فى التزكية.

ولما كان الظهار قد يقع من الكبار الذين قد يعجزون عن القيام بصيام شهرين متتابعين، جعل الله تعالى لهم مندوحة فى الانتقال إلى إطعام ستين مسكيناً.

بخلافه فى القتل الذى غالباً ما يكون من الأقوياء، فإن الله لم ينص فيه على بدل عن الصيام، لما يريده لهم من الزكية فى الأخلاق، لأن تجرأهم على القتل يدل على انحطاط أخلاقه، وإن كان خطأ، فإنه يدل على التهاون فى الحذر والاحتياط لحماية النفس والله أعلم.

3- واليمين – وهو الحلف بالله او باسم من أسمائه أو صفة من صفاته الأخرى – حقه أن يحفظ، لما فى حفظه من إشعار بتعظيم الله تعالى وتبجيله، وكثرة الحلف تؤذن بأن القلب غير عامر بتعظيم الله وإجلاله كما ينبغى.

وقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يحفظوا إيمانهم فقال: "وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ"  [المائدة: 89]، وحفظها هو أن يضن بها ولا يبذلها فى كل أمر، أو بأن يبر فيها ما استطاع إذا لم يفت بها خير، أو أن يكفر عند الحنث(14)، ونهاهم عن كثرة الحلف فقال: َ"لاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" - [البقرة: 224]، وقال: "وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً (15) بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا" - [النحل: 94].

 فإذا لم تفد هذه التوجيهات الإلهية من أوامر ونواه، فحقه أن يزجر، وذلك إذا لم يف بيمينه، وحنث فيها، بأن يكفر عن يمينه بما ذكره الله تعالى بقوله:   لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - [المائدة:89].

 فجعل الصيام كفارة لليمين عند العجز عن الطعام أو العتق، وذلك لما فى الصيام من فضل يجبر الإساءة التى حصلت فى عدم الوفاء باليمين، وهو يهذب النفس ويزكى أخلاقها فى تعظيم الله تعالى وإجلاله كما يجب أن يكون على المؤمنين، على ما مر تقريره.

فترى أن الله تعالى أوجب الصيام فى مثل هذه الإساءات التى قد تحصل من المرء مما يكون فى عباداته أو معاملاته أو سلوكه، وجعله قرين المال الذى يكون إخراجه فى مثل هذه الأحوال على هيئة عتق أو إطعام، زاجراً للنفس عن العود إلى مثل تلك الإساءة لما جبلت عليه النفس من الشح فى المال، فله أبلغ الأثر فى استقامة الأخلاق والسلوك، وجعل الصوم بدلاً عنه؛ لأنه يؤدى ما تؤديه الكفارة بالمال من تقويم الأخلاق "فإنه يعدل القوى الطبيعية التى هى داعية الفساد، فيرتقى المسلم به عن حضيض الانغماس فى المادة، إلى أوج العالم الروحانى، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية"(16).

اضافة تعليق