تعرف على أقل الاعتكاف وأكثره

الأحد، 10 يونيو 2018 11:40 ص
الاعتكاف


ترتبط العشر الأواخر من شهر رمضان بالاعتكاف في المسجد سُنة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويستطيع أدائه الرجال والنساء، فعن عائشة - رضِي الله عنها - قالت: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يعتَكِف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتَكَف أزواجه من بعده"، فتعتَكِف المرأة في المسجد إذا لم يُخشَ عليها.
 
وعلى المعتَكِف أنْ يُرجِّح بين المصالح والمفاسد؛ فمثلاً مَن كان عنده أبَوان يحتاجانه، أو كان له أولادٌ يحتاجون إلى رِعاية ومُتابعة على الصلاة وغيرها، فهذا يَترُك الاعتكاف، فالاعتكاف أفضل من تَركِه غالبًا في حقِّ مَن ليس لدَيْه أولاد كبار، فليستغلَّ المرء هذه الفترة لأنَّه سيمرُّ عليه وقتٌ قد لا يتمكَّن من الاعتِكاف، وكذلك كبار السن ممَّن استقلَّ أولادهم عنهم.
 
وقت الاعتكاف:


الاعتكاف مشروعٌ في السنة كلها؛ قال ابن عبدالبر: "أجمع العلماء على أنَّ رمضان كلَّه موضعٌ للاعتكاف، وأنَّ الدهر كلَّه موضعٌ للاعتكاف، إلاَّ الأيام التي لا يجوز صيامها"؛ بِناءً على الخلاف: هل الصيام شرطٌ لصحَّة الاعتكاف أو لا؟ إلاَّ أنَّه في العشر الأواخر من رمضان آكَدُ؛ لأنَّه الذي استقرَّ عمل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليه، ولَمَّا لم يعتكف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - العشر الأواخر من رمضان قَضاه في شوال.
 
وقت الدخول والخروج لِمَن اعتَكَف العشر:


من اعتكف العشر الأواخر من رمضان يدخل قبل غروب شمس اليوم العشرين؛ لأنَّ العشر الأواخر من رمضان تَبدَأ بليلة إحدى وعشرين، وما جاء في حديث عائشة - رضِي الله عنها -: "إذا أراد أنْ يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل مُعتَكَفه"، فالمراد به المكان الخاص الذي يخلو به، والله أعلم.
 
ويخرج ليلة العيد فحينما يعلن أنَّ غدًا العيد تكون انتهَتِ العشر الأواخر ودخَل شهر شوال.
 
أقل الاعتكاف وأكثره:


أقلُّ المنقول عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيه ليلة؛ فعن ابن عمر- رضِي الله عنهما -أنَّ عمر - رضِي الله عنه - سأل النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: كنتُ نذرت في الجاهليَّة أنْ أعتَكِف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: ((فأوفِ بنذرك))، وفيه دليلٌ على أنَّ الاعتِكاف لا يُشتَرَط له الصوم، ولا حدَّ لأكثر الاعتكاف؛ لعموم الأدلَّة.
 
هدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الاعتكاف:


كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينفَرِد وهو معتَكِف في مكانٍ خاصٍّ؛ ففي حديث أبي سعيد - رضِي الله عنه -: "في قبَّة تركيَّة"، مشتَغِلاً بالذكر، ومن ذلك القرآن؛ فعن ابن عباسٍ قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَجوَدَ الناس، وكان أجوَدَ ما يكون في رمضان حين يَلقاه جبريل، وكان يَلقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضان فيُدارِسه القرآن، فلَرسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود بالخير من الرِّيح المُرسَلَة".
 
مشتَغِلاً بالصلاة فتَشغَله العبادة حتى عن الطعام والشراب في بعض الأحيان؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "نهى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الوصال في الصوم، فقال له رجلٌ من المسلمين: إنَّك تُواصِل يا رسول الله؟ قال: ((وأيُّكم مثلي؛ إنِّي أَبِيتُ يُطعِمني ربي ويَسقِين))، فلمَّا أبَوْا أنْ ينتهوا عن الوصال واصَل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال".
 
والمراد من قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُطعِمني ربي ويسقين))، طعام وشراب معنوي لا حسي، فانشِغاله بذِكرِه ومُناجاته التي هي غِذاء القلوب تُنسِيه الأكل والشرب، فمَن اشتَغَل قلبُه بشيءٍ مهمٍّ أنساه الطعامَ والشرابَ؛ كالْمُصاب بفَقْدِ عزيزٍ أو الظفر به، والله أعلم.
 
زيارة المعتكف والاتِّصال بالهاتف:


يستَقبِل المعتكف مَن يزوره؛ فعن صفية - رضِي الله عنها - أنَّها جاءتْ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تزورُه في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثَتْ عنده ساعةً ثم قامت تنقَلِب...، وكذلك للمعتكف أنْ يتَّصِل بغيره ويستَقبِل المكالمات، وليكن ذلك للحاجَة؛ لأنَّ الإكثار من استِقبال الزائرين والإكثار من المكالمات يُنافِي الحكمة من مشروعيَّة الاعتكاف.
 
قال ابن القيِّم: "ما يفعَلُه الجهَّال من اتِّخاذ المعتَكَف موضع عِشرَةٍ، ومَجلَبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبويُّ لونٌ، والله الموفِّق".

اضافة تعليق