إلى المهموم المكلوم.. «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ»

السبت، 09 يونيو 2018 12:12 م
إلى-المهموم-المكلوم-اقرأ

 
لا تسلم هذه الدنيا من غموم وهموم، وقلق وخوف، ولا تخلو النفوس من قلة الاطمئنان والراحة والسكون، فكم يخشى الإنسان على نفسه وماله، وصحته وحسن حاله، وكم يخاف على رزقه وأسباب قوته وصفاء باله. ولا يكون هذا مقصوراً على من قد ركب جناح المخاوف، بل هو شعور مشترك لا يخلو منه الأغنياء المترفون، ولا ذوو الجاه المحروسون، ولا الأصحاء المعافَون الذين لديهم أسباب العافية الممكنة، والقدرة على الاستشفاء في أي مكان يريدون، وبأي كلفة تطلب منهم، بل لعل سلطان القلق يجور عليهم أكثر ممن ليس لديه ما لديهم من أسباب الأمن والطمأنينة. 
 
هذه الحالة الانفعالية المتسمة بالاضطراب النفسي والحياتي تكبر أو تصغر على قدر علاقة الإنسان بربه، وهي المحك الذي تُعرف به قوة الإيمان من ضعفه من عدمه.
 
فعديم الإيمان لا ينظر إلا إلى الأسباب المادية؛ معتقداً أن تصريف الأمور وتدبير شؤون الحياة لا يخرج عن تلك الأسباب، وأنه ليس لله تعالى تقديرها وتدبيرها؛ فلذلك ليس لنفسه استقرار ولا اطمئنان مهما امتلك من أسباب الكفاية والحماية، فإذا ما عارض تقديرُ الله أهواءه سرعان ما تنهار قواه، وتظلم آفاقه، وقد يودي به ذلك إلى الأمراض النفسية أو الانتحار، كما هو مشهور الآن في بلاد الغرب.
 
وأما المسلم الضعيف الإيمان فإنه يعتقد أن الخير والشر بتقدير الله تعالى وقضائه، ولكن موقفه يختلف إزاء هذا الاعتقاد عندما تفوته مصالح، أو تقع عليه مضار، أو تزداد في واقعه المصائب وتعظم الكربات، أو تغلو الأسعار، أو يطول أمد الحروب والمعاناة، أو يرى كثرة الناس الذين يعلقون آمالهم بالبشر، ويدَعون رب البشر، أو حينما يتابع وسائل الإعلام المختلفة وهي تنشر رهج الخوف والحذر من مستقبل الأيام، وتنذر الناس بما عند عدوهم من القوة والقدرة التي سيسخرها في حربهم وتنغيص عيشهم؛ فلذلك لا غرابة –إن تجذر ذلك في نفسه- أن يتكدر صفوه، ويكثر قلقه وخوفه، ويبقى في بوتقة الذهول والتفكير في قادم الأيام عبر منظار الترقب والحذر.
 
وأما المؤمن القوي الإيمان فإنه على يقين جازم لا يخامره شك بأن كل شيء لا يخرج عن قضاء الله تعالى وقدره، ويعيش بهذا اليقين في واقع عمله، فلا يتعلق قلبه إلا بالله، ولا يرى للبشر قدرة على مخالفة ما قضاه الله له أو عليه، ويعتقد أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء فلن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ويعلم أن تدبير الله له خير من تدبيره، واختياره له خير من اختياره؛ وبذلك يخف همه وغمه، ويهدأ قلبه، وتستريح نفسه، ويطمئن باله.
 
قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11]. " يقول تعالى ذكره: لم يصب أحدًا من الخلق مصيبة إلا بإذن الله، يقول: إلا بقضاء الله وتقدير ذلك عليه ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ يقول: ومن يصدّق بالله فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفِّق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه".
 
"وقرأ عكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن دينار: "يهدأ" بهمزة ساكنة، "قلبه" بالرفع: يطمئن قلبه ويسكن بإيمانه ولا يكون فيه اضطراب".
 
إن المسلم حينما يقرأ القرآن أو يستمع إليه ويتدبره يجد فيه ما يعزز تعلقه بربه، ويحثه على الاطمئنان إلى قضائه وقدره؛ كقوله تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22]. يعني: " وفي السماء رزقكم وما توعدون من الخير والشر والثواب والعقاب، وغير ذلك كله مكتوب مقدَّر".
 
هذه الآية الكريمة من سورة الذاريات كانت مطلع هداية أعرابي تأمل فيها حتى وعى معناها بفطرته السليمة، وفهمه العربي النقي.
 
قال الأصمعي: "أقبلتُ ذات يوم من المسجد الجامع في البصرة، فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جافٍ على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس، فدنا وسلّم وقال لي: مَن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع مليء بكلام الرَّحْمن، قال: وللرَّحْمن كلام يتلوه الآدميون؟! قلت: نعم، قال: اتلُ عليّ شيئاً منه، فقلت له: انزل عن قعودك. فنزل، وابتدأت بسورة والذاريات، فلمّا انتهيت إلى قوله سبحانه: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22]. قال: يا أصمعي، هذا كلام الرَّحْمن؟ قلت: إي والذي بعث محمداً بالحق، إنّه لكلامه أنزله على نبيّه محمد، فقال لي: حسبك، ثم قام إلى الناقة فنحرها وقطعها كلّها، وقال: أعني على توزيعها، ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل وولّى مدبراً نحو البادية وهو يقول: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾. فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي؟. فلمّا حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق، فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي نحيلاً مصفاراً، فسلّم عليّ وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرَّحْمن، فأخذت في سورة: والذاريات، فلمّا انتهيت إلى قوله: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾. صاح الأعرابي فقال: وجدنا ما وعدنا ربنّا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم، يقول الله سبحانه: ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾ [الذاريات:23]. فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم يصدّقوه بقوله، حتى ألجؤوه إلى اليمين؟ قالها ثلاثاً وخرجت فيها نفسه".

اضافة تعليق